الانهيار المالي… مدخل حزب الله إلى المؤتمر التأسيسي

قد يتساءل بعض أصحاب النيات الطيبة من اللبنانيين، وهل لحزب الله مصلحة في انهيار ما تبقى من أوضاع اقتصادية ومالية في الدولة اللبنانية؟ ويأتي هذا التساؤل محاطاً بنوع من الاطمئنان الى أن حزب الله لا يمكن ان يكون أحد أكبر المستثمرين في انهيار ما تبقى من الدولة وهو الاقتصاد او السياسة المالية وصولا الى الانهيار النقدي الذي يجعل الليرة اللبنانية في مهب العملات الصعبة.

إنّها الفرصة التاريخية التي تقوم على نظرية الفوضى الخلاقة، فالانهيار الذي “يبشرنا” المسؤولون في الدولة عن قدومه الوشيك، و”يطمئننا” وزير المالية بكارثة جدولة الدين، وان عاد عن موقفه بعدما أدى تصريحه الى بلبلة في لبنان، وشهرت الأسواق المالية سيف مصالحها وحقوقها على الخزينة في مصرف لبنان… فالأكيد كما يصدر على لسان المسؤولين أننا في وضع حرج جداً.
في المقابل فإنّ الأداء السياسي الرسمي يبدو غير مبال ولا من إشارة تدل على أن أصحاب القرار مهتمون بالكارثة التي ينتظرها اللبنانيون، فيما هم يستمرون في العبث بمصير الناس وما تبقى من الدولة والكيان.
هي الفرصة التاريخية لصاحب القرار الأول في لبنان، عنيت به حزب الله الذي يتفنن اليوم في اظهار مدى عجزه عن فعل شيء من أجل تشكيل الحكومة، وهذا ما لا يمكن تصديقه لدى معظم اللبنانيين. فالعراقيل امام تشكيل الحكومة هو من ابتدعها، ورماها في ملعب الآخرين، ووقف يتباكى على اطلال الحكومة والدولة. ورئيسا الجمهورية والحكومة المكلف قالا موقفهما من بدعة اللقاء التشاوري، والسيد نصرالله قال كلمته أن لا حكومة من دون توزير واحد من اللقاء. والصلاحية في اصدار مرسوم الحكومة هي للرئيسين لكن صلاحية السيد نصرالله فوق كل المراسيم.
ما يجري في لبنان ليس أزمة نظام، بل ببساطة وجود قوة ترفض تطبيق الدستور والقانون وتسيير النظام. والترويج لمقولة أن النظام اللبناني غير قابل للعيش، هي من المقولات الخطيرة التي يجري ترويجها وتعميمها، للتغطية على الخلل الفعلي الذي يعطل النظام والقانون: وجود سلطة معطلة.
فآليات الدستور اللبناني واتفاق الطائف، ليست مغلقة على اجراء تعديلات دستورية تطور آليات عمل الدولة، لكن المشكلة التي يعاني منها اللبنانيون اليوم لا تكمن في الدستور، بل في نمط البلطجة والتعطيل للدستور، وهذا ما يجعل القوة الفاعلة والمسيطرة من خارج الدولة، قادرة على ممارسة فعل ما تراه مناسبا لها لجهة تفسير الدستور وتفسير الميثاقية كما شهدنا في المحطات الدستورية والسياسية منذ العام 2006 الى يومنا. القوة العسكرية والأمنية هي من يقرر تفسير الدستور، وليس المؤسسات سواء مجلس النواب أو المجلس الدستوري الذي يمكن الطعن امامه في دستورية أي قانون.

إقرأ أيضاً: «حزب الله» ومعارك الآخرين

خلال السنوات السابقة تمّ “بهدلة” الدولة التي ارتخى عصبها فيما اشتدّ عصب الدويلة، التي راحت تخوض الحروب في اكثر من دولة، ومن خارج أي شرعية دستورية وقانونية، وها هي اليوم تتفنن في انهاء آخر حصن للدولة المتمثل بالاقتصاد الذي لا يزال يشكل الرابط بين اللبنانيين، ونظام المصلحة المتبقي، على رغم ضعفه، كرابطة عقد بين المواطنين. الانفجار الاجتماعي الاقتصادي المالي هو العنوان للانهيار المرتقب، وهو استكمال موضوعي لتداعي الدولة الذي عاشه اللبنانيون منذ العام 2005 ولا يزالون.
الانهيار المالي والاقتصادي إما أن يكون اللحظة التأسيسية الملائمة للنظام الجديد، أو مناسبة تاريخية لفرض معادلة سياسية جديدة تقوم على التسليم بوصاية حزب الله في مواجهة الفوضى من جهة واستعداده للجم محاولات عودة الوصاية السورية الى لبنان من جهة أخرى.
ذلك أن حزب الله بات يشير بطرق غير مباشرة الى أنه الطرف الوحيد القادر على منع النظام السوري من العودة الى لبنان، وطبعا من موقع التحالف معه وليس العداء.

إقرأ أيضاً: إسرائيل تستكمل البحث عن «أنفاق لحزب الله عبر الحدود»

التداعيات الاجتماعية والفوضى المالي والاقتصادية، وربما الأمنية والسياسية تالياً، لن توفر مؤسسات الدولة باعتبارها الحلقة الأضعف، كما لن توفر المؤسسات الاقتصادية والتجارية، الا تلك التي تحظى بحماية امنية وسياسية. لذا فالفوضى المرتقبة حيال أي انهيار من هذا القبيل، ستدفع نحو تحرك انقاذي يأخذ وجه التعديل الدستوري، بما يتلاءم مع موازين القوى القائمة على الأرض.
وبالطبع حزب الله هو الوحيد القادرة على استثمار نفوذه وقوته في رسم معالم التعديلات. أو نذهب إلى خيار آخر يجعل لبنان تحت وصاية حزب الله. وما ينقص هذا السيناريو هو الإقرار الدولي والإقليمي بشرعية حزب الله وانقلابه الآتي، وهذا يتطلب التزامات أمنية من قبل المجتمع الدولي ومن إسرائيل، ولا يبدو أنّ حزب الله قد يعجز عن تأمينها، من دون أن يخلّ ذلك بصورته الجهادية ضد إسرائيل والإرهاب.

آخر تحديث: 14 يناير، 2019 8:58 م

مقالات تهمك >>