“هل قدمت ايران المتهم بالارهاب هدية الى السعودية؟” جاءت هذه العبارة كعنوان على رأس التقرير الصادر عن مركز ستراتفور للدراسات الاستراتيجية والصادر منذ يومين والذي يتناول توقيف ابراهيم المغسل، قائد ما يعرف باسم “حزب الله الحجاز” المدعوم من ايران والذي ينشط في اوساط السعوديين الشيعة، وتسليمه الى قوى الأمن السعودية بصفته أحد مواطني المملكة ومنفذ أحد أكبر الهجمات الارهابية. ستراتفور أوردت معلومات تشير إلى أنّ الإيرانيين الذين أمّنوا ملاذاً آمناً لابراهيم المغسل طوال سنوات، قد يكونوا وراء تسليمه الأمن اللبناني الذي القى القبض عليه في مطار بيروت الخاضع لسيطرة حزب الله وسلمه الى السعوديين الذين ارسلوه في طائرة خاصة كانت في انتظاره على أرض المطار” وفق ما جاء حرفياً في تقرير ستراتفور. ومع هذا فهناك تساؤلات حول دقة هذه المعلومات التي قد تتطابق مع مجريات الاتفاق النووي الايراني مع الغرب حيث أن تسليم هذا المغسل قد يعتبر بداية تقارب ديبلوماسي بين السعوديين والايرانيين. ولا يستبعد التقرير الكلام عن أن ذلك سينعكس على النشاط الدبلوماسي المرتبط بالحرب المندلعة في سوريا، حيث تتناقض المصالح بين السعودية وايران.
اما صحيفة «الشرق الأوسط»، فقد كانت السبّاقة في الكشف عن “الانجاز الأمني” حيث أنّ المغسل هو ضمن مجموعة تعتبر الأكبر في تاريخ المملكة من حيث تنفيذ العمليات الارهابية في عام 1996، فيما عرف بأبراج الخبر، شرق السعودية، وسقط بفعل ذلك عشرات الضحايا، ومنهم 17 أميركيا. وقد سبقت “أبراج الخبر” عملية تفجير مقر بعثة تدريب الحرس الوطني في حي العليا بالرياض في العام 1995،حيث قامت بها القاعدة فجاءت عملية الخبر لجعل التفجير يبدو على أنه ضمن سياق “الإرهاب السني القاعدي”. أبراج الخبر ليست أولى علميات حزب الله الحجاز، فقد تورط بأحداث 1987 التي شهدها الحرم المكي، وفي ذات السنة تبنى في بيانات رسمية مسؤوليته عن هجوم على منشأة نفطية في رأس الجعيمة شمال مدينة رأس تنورة بالمنطقة الشرقية. كما قام في العام 1988 باستهداف منشآت البتروكيماوية في الجبيل ويتوقع ان يكون وراء محاولات اغتيال طالت دبلوماسيين سعوديين في الخارج. ومن هنا بدأت المواجهة بينه وبين أجهزة الأمن في المملكة التي احبطتت محاولات ادخال متفجرات وعمليات ارهابية اخرى وفككت شبكاته والقت القبض على أفرادها.
وحينما وضع لأول مرة على لائحة الارهاب الاميركية، كان المغسل ورفاقه إلى جوار أسماء أسامة بن لادن وأيمن الظواهري. ويشير عبد الرحمن الراشد في ملاحظة مهمة حول عملية الاعتقال أنّ المغسل ومن معه هم “مجرد بيادق تستخدمهم إيران لأغراضها السياسية ثم تتخلص منهم بعدها. وقد سبق أن قامت السلطات السورية بتسليم مطلوب سعودي ثان كان مختبئًا عندها”. اما سلمان الدوسري فيغمز من قناة العلاقات الأميركية الايرانية ويذكر في مقالة له في الشرق الأوسط أنّ “أحمد المغسل لم يقدْ فقط الشاحنة التي فُجرت …بل قاد من أغمضت عيونهم ليفتحوها قليلاً، وينظروا من هي الدولة التي تخطط وتتآمر وتفجر وتقتل وتؤوي إرهابيين، ومع ذلك هي في مأمن من أي محاسبة. هذه السياسة الانتقائية كانت تحظى بها إسرائيل سابقًا، لكن شيئًا فشيئًا بدأت إيران تشرب من نفس زجاجة العسل الإسرائيلية”.
ايران حاولت في السابق حماية المغسل ومن معه وأشاعت أنّه مات منتحرًا أو مريضًا مع العلم أنه كان تحت مظلة الأجهزة الإيرانية، وقد تسلمت السعودية حينها فقط هاني الصايغ من كندا، ومصطفى القصاب من لبنان في حين أن الأمن السوري قال أنّ جعفر شويخات المسجون لديها قد انتحر في سجنه. وبحسب موقع الإنتربول الدولي ومكتب التحقيقات الفدرالية FBI وأجهزة أمنية أخرى، فإنه تم رصد مبلغ خمسة ملايين دولار مكافأة مالية لمن يدلي بمعلومات تؤدي للقبض على المغسل. وحتى 21 آب عام 2014 أعلن ومكتب التحقيقات الفدرالية FBI عن قائمة تضم 26 شخصاً وصفتهم بالإرهابيين الأخطر في العالم ضمت 5 عناصر من “حزب الله الحجاز”، وهم: أحمد إبراهيم المغسل، وعدنان جمعة، وإبراهيم الياقوت، وعبدالكريم الناصر، وعلي الحوري، وأعلن عن مكافآت مالية لمن يملك معلومات تقود إلى مكان تواجدهم .وكان قاض اتحادي أمريكي في شرق ولاية فرجينيا حتى حكم في العام 2006 بأنّ إيران تدين لعائلات الضحايا الأمريكيين الـ17 بما مجموعه 254 مليون دولار، واتهمت المغسل بـ»التآمر لقتل أميركيين وتدمير ممتلكات تابعة للولايات المتحدة، ومهاجمة منشآت دفاعية وطنية، والضلوع في تفجير نجم عنه قتلى أميركيين.”
حتى هذه اللحظة، لا توجد تأكيدات رسمية من الاطراف اللبنانية أو السعودية أو الأمريكية أن ابراهيم المغسل القي القبض عليه سوى ما جاء في بعض وسائل الإعلام وما جاء في بيان حزب الله – الحجاز الذي حصلنا على نسخة منه. فقد جاء في هذا البيان الصادر عن التنظيم حرفياً “أن ابو عمران (أي ابراهيم المغسل) الذي اوقف عند الامن العام اللبناني في مطار بيروت، قام فرع المعلومات المسيطر عليه من قبل تيار المستقبل التابع للنظام السعودي باختطافه”…وتابع البيان “إنّنا نحمل النظام السعودي وعميله تيار المستقبل مسؤولية هذا العمل الغادر…” إلى آخر ما ورد في هذا البيان فيما خص مهدداً متوعداً ومطالباً باطلاق سراح الـ”الحاج قائد”.
بالعودة الى تقرير ستراتفور، فإنّه يصف لبنان بأنّه “هو نفس البلد الذي قدّم الملاذ الآمن لشخصيات مثل عماد مغنية، حسن عز الدين وعلي عطوة ومحمد علي حمادي، وواصف علي حسون وهم أبرز المطلوبين الدوليين على لائحة الارهاب وأنّ لبنان لم يقدم على تسليم مطلوبين إلى دول أجنبية من قبل بالرغم من الضغوط الأمريكية التي تعرض لها في ظروف مماثلة، حتى عندما طالبت الولايات المتحدة السيطرة على المشتبه بهم في اختطاف طائرة تي دبليو إيه 847 في العام 1985. ويرجح التقرير أنّ هناك احتمال ان تكون إيران قد قررت أبلاغ السعوديين عن تحركات المغسل لاظهار حسن النية تجاه المملكة، في محاولة إيرانية لإظهار أن طهران مهتمة في إصلاح العلاقات مع الرياض جزئيا على الأقل. كما يشير التقرير أن ذلك قد يكون تقديم اوراق اعتماد مزدوج للسعوديين والامريكيين في الآن عينه بما معناه أن الرجل مطلوب لدى الطرفين وأن الإيرانيين يريدون الاشارة أنهم على استعداد للتعاون بطرق محدودة خصوصاً قبل أول زيارة للعاهل السعودي الملك سلمان الى الولايات المتحدة منذ اعتلائه العرش. وهناك احتمال أن يكون المغسل أحد مواضيع المطروحة على بساط البحث لجهة اصرار متوقع من واشنطن لطلب تسليم المغسل اليها. السعوديون من جهتهم، كما فعلوا مع المشتبه بهم المرتبطين بهذه القضية، من المرجح أن يرفضوا تسليمهم للأميركيين. مهما كانت التفاصيل، فإنّ هناك علاقة جيوسياسية بين إيران ولبنان والمملكة العربية السعودية وحتى اميركا جعلت القبض على ابراهيم المغسل أو تسليمه أمراً ممكناً.

