ساحات قرى مرجعيون تخلع طربوشها

الميلاد في مرجعيون

نصف قرن وأكثر يفصلنا عن مشهد مغاير تماماً لما هي عليه قرى قضاء مرجعيون اليوم وساحاتها التي كانت حاضنة لأفراح الناس وأحزانهم ومسرحاً للقاءات متواصلة بين أهل القرية.
ساحات قرى مرجعيون التي تعتبر أهم معالم القرية التي تؤرشف بين زواياها ذاكرة الناس، كانت ولا تزال في بعض القرى الشريان الحيوي الذي ينبض ليعطي الحياة في مجتمع زراعي يتأرجح بين ماض ومستقبل.
غالباً ما تكون ساحة القرية هي نفسها ساحة الكنيسة أو الساحة المحيطة بالمسجد، نظراً لما تشكله المراكز الدينية من رابط متين بين سكان القرية الواحدة. كما يمكن أن تكون الساحة هي نفسها مكان تواجد بركة أو عين مياه شيَد الأهالي منازلهم قربها لتسهيل نقل المياه الى بيوتهم.
لم تغب ساحات القرى عن تراثنا اللبناني وأغاني فيروز و الراحلة صباح ومسرحيات الرحابنة التي تحكي التراث الأصيل لبلادنا، كذلك كان لها دورها التاريخي الذي لعبته تكوين القرى. فالساحات كانت بالنسبة للقرويين تشبه المراكز الاجتماعية والاقتصادية ففيها كانت تقام الأفراح والمآتم وفيها كان الاحتفال بالأعياد، كذلك فقد شكلت المكان الذي يلتقي فيه الرجال، بعد نهار طويل من العمل للعب الطاولة وسرد الأخبار والحكايات، إلى جانب “الدكاكين” الصغيرة التي زالت مع انتشار المتاجر والمخازن الكبيرة.
منذ سنوات كان أهالي القرى يقايضون السكر والقهوة والأرز بالبيض الذي ينتجوه ويدخرون ما يجنون من أموال تنتجها مواسم الزراعة أو يتلقوها من أقارب لهم في المهجر لشراء اللحم ولحالات الضرورة القصوى. أما الخضار والفواكه فغالباً ما كانت تغيب عن المتاجر والمحال نظراً لوفرتها في الحقول في مواسمها.
ولا يزال أهلنا يتحدثون كيف أنهم كانوا يلعبون ويركضون في الطرقات كما يحلو لهم غير آبهين بزحمة الدساكر أو الطرق الزراعية التي لم تألف مرور السيارات.
أما اليوم، فبات من الصعب المرور بالساحات نفسها لعدد السيارات الهائل الذي يتجول بين محالها والمتاجر. يمر مشهد ساحة الخيام في الماضي في ذاكرة كبارها وهم يتأملون المارين في ظل زحمة مباني لم يعتادوا عليها مشهد شارع ترابي مليء بالخيم الخشبية الهادئة ينهار هدوئها مع زمامير السيارات وصراخ المارة.
أما حجارة ساحة ابل السقي فاعتادت على الوحدة والفراغ والروتين الذي لا ينتشلها منه إلا الأعياد والمناسبات السعيدة.
في حين لا تخلو ساحة بلدة القليعة نهائياً من الناس الذين يتوافدون إلى كنيستها في الآحاد والأعياد ويجتمع بعض من شباب القرية فيها أيام الفرص وينشلون عرساً من ثراثها مرة في السنة تزامناً مع عيد شفيع القرية القديس جرجس.
بين قرى قضاء مرجعيون سهل خصب وممتد، عرف باسم سهل مرجعيون أو سهل الخيام بحسب بلدة القائل، يذكر بالتاريخ الزراعي لهذه القرى التي تبدلت معالمها بدرجات مختلفة لتعاصر التقدم والتطور.فأين نحن اليوم من قرى الأمس؟.
اللحام أحمد غريب ابن بلدة الخيام وارث لمهنته أباً عن جد. أحمد، ابن محمد ضاهر غريب هو أيضاً لحام وأكثر، هو أحد أعمدة ساحة البلدة، تبرق عينيه وتحكي تجاعيد وجهه قصص لا تنتهي عن ساحة قريته. يمشي أبو حسن نحو وسط الساحة ليدل باصبعه على مكان الخيمة التي بدأ منها عمله وتعود به الذاكرة إلى الخشبة حيث كان يعلق اللحمة كل خميس إلى أن تيسر مالياً وقرر استئجار ملحمة خاصة به منذ حوالي 63 عاماً وورثها مع المهنة لابنه حسن.
يضيف أبو حسن أن معالم الساحة لم تتغير كثيراً مع توسع القرية وازدياد عدد المقيمين من حوالي 3000 إلى ال7000 شخص، إنما “تحضرت” لتتماشى مع التقدم، ففيما يخص ملحمته لم يتغير فيها سوى البلاط والدهان وبعض التفاصيل الأخرى كالميزان الحديث والأكياس التي لم تكن موجودة من قبل إذ أنه كان يستعمل ضلعاً صغيراً ليغرز به قطعة اللحم ليحملها الزبون إلى منزله أو يستعين بمحرمة القماش ليلف بها اللحمة المفرومة.
لم يغب جيران أبو حسن عن ذاكرته، خصوصاً معلم يوسف، صانع الطرابيش الذي كان أشهر بائع في زمانه. أما اليوم فتحول محله إلى محل سمانة. كما لم يغب حسن بائع الدجاج عن حكايات أبو حسن الذي لا تفرق قصة أولاده الا بتفاصيل صغيرة عن قصة ابن أبو حسن الذي ورث مهنته.
بين الخيام وابل السقي طريق فرعية متعرجة مزج فيها الزفت بالتراب لتعيدنا خمسين عاماً إلى الوراء ونعيش مجدداً قصة قرية خلعت ملابسها الريفية وتحولت إلى ما يشبه المدينة كما تخبر نازك التي تحكي قصة بلدتها ابل السقي، واصفة إياها ببلد المزارعين الذي غاب الزفت عن طرقاتها الفرعية حتى عام 1978. وتضيف أن أهالي القرية قديماً كانوا يتجمعون في ساحة الكنيسة أي ساحة القرية في المناسبات الدينية وأيام الآحاد، أما باقي الأيام فكانت مخصصة للعمل في الأرض من الفجر إلى النجر.
ابل السقي المليئة بالحياة اليوم لم تكن على هذا الحال قبل عام 1978 أي عام انتشار اليونيفيل في القرية، بعد أن كانت شبه فارغة جراء القصف المتبادل من الفدائيين الذين كانوا متواجدين في قرى العرقوب المجاورة والجيش الإسرائيلي. هجر سكان إبل السقي لحين انتشار قوات حفظ السلام في القرية الذين كان لوجودهم حافزاً لعودة أهالي القرية إلى بيوتهم كما نشطوا الحركة الاقتصادية في القرية أن باستئجارهم للمنزل قبل إقامتهم معسكراتهم الخاصة وبارتيادهم المطاعم والمقاهي وشرائهم من المحال التجارية التي بدأ أهالي القرية في إنشائها.
قصص وحكايات من ساحات القرى لا تنتهي. تتحدث أم نزار عن الأعراس التي كانت تقام في ساحة القرية حيث تنشغل النساء في تحضير الكبة والتبولة والرقص والزغاريد أسبوعاً كاملا قبل العرس. أم نزار زوجة صاحب دكان في ساحة بلدة القليعة تروي أن منزلهما كان مقصدا لرجال حي الساحة لقضاء الفترة المسائية مع بعضهم البعض بعد نهار طويل من العمل في الحقول يبدأ مع بزوغ الشمس وينتهي مع غيابها، حيث يشعلون الموقدة التي كانت عبارة عن كومة أحجار يوضع في داخلها الحطب لتحلو لهم الحكايات التي كانوا يخبروها في جو من الدفء القروي بعد نهار من التعب.
خمسة عقود فقط تفصل قرى قضاء مرجعيون بين “حقبة المقايضة” ودخولها في “الحقبة الرقمية” وبين زحمة رجالها في الساحات وتحولها الى مصايف تستقبل أهلها في الصيف وأيام الفرص هربا من زحمة المدينة وصخبها.

السابق
الراعي يحتفل الاحد بقداس الشكر لنجاح عمليته الجراحية
التالي
القادري: لبنان يجب أن يكون قوياً ولكن قواعد الاشتباك يجب أن ترسمها الدولة واللبنانيون