وسائل تواصل أو تفكك إجتماعي

التواصل الاجتماعي
استحوذت وسائل التواصل الاجتماعي على حياتنا، فصرنا نشكك إن كانت تساهم في التفكك الأسري. أفراد الأسرة مجتمعون في غرفة واحدة لكن قلوبهم مبعثرة وأفكارهم في مكان آخر.

محتارٌ أنا في أمري. يراودني ألف سؤال وسؤال، تساورني الكثير من الشكوك، أدقق وأراجع وأفصّل. هل هي فعلاً وسائل تواصل أم أنها وسائل تفكك إجتماعي؟
لكل برنامج من تلك البرامج كينونته واستقلاله الخاص وسبب وجود، ولكن الشعب العربي دائماً يبدع في تطويع وتسخير هذه الوسائل إلى ما يراه مناسب، فصفحة الـ”جوجل” يستخدمها الجميع إما للبحث أو للترجمة أو لرؤية الخرائط، إلا العربي عموماً أو اللبناني خصوصاً. فإن هذه الصفحة وقبل كل شيء، تعتبر فاحصاً جيداً للانترنت، بمعنى آخر إذا أردت أن تتأكد من وجود اتصال لك بشبكة الانترنت فكل ما عليك هو أن تفتح المتصفح لديك ومن ثم تُدخل موقع الجوجل لترى إن كان سيفتح أو لا!
هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، فقد وجدت هذه المواقع – وكلها أجنبية – في محاولة منها لربط وتمتين وتوثيق الروابط اللإجتماعية المتفككة أصلا لديهم، فإذا بشعبنا العربي يقع في هذا الفخ وينقلب السلاح عليه فتصبح هذه البرامج أسباباً مباشرة للطلاق وللانطواء والوحدانية.
ترى الأسرة كلها مجتمعة في غرفة واحدة، ولكن قلوبهم مبعثؤة، فكل واحدٍ منهم متعلق بشخص وهميٌ آخر خارج تلك الجدران، وربما لو أمكن له أن يلتقي به حقيقةً لانشغل عنه بنفس البرنامج مع آخر أو أخرين.
هل تهمك الشهرة والصيت، أم أن هدفك الأساسي هو التواصل ونشر الفائدة؟ 99.99% سيختارون الجواب الثاني، ولكن خيارهم هذا سيتلاشى ويختفي بمجرد أن ينشروا صورةً لهم أو منشور ما، على أحد تلك المواقع أو البرامج، سيحزنون لقلة “المعجبين” بما كتبوه، ولن يعنيهم أو يهمهم أصلاً كم مستفيد من هذا المنشور وتلك الصورة قد نال مبتغاه منه.
أنظر من حولك، وقل لي: كم صديق حقيقي لديك؟ كم قريب؟ كم أخ كم حبيب كم زميل في العمل؟ هل يكفيك الوقت الموجود لديك أصلا لتعطي كل ذي حقٍ منهم حقه؟ أم أن تلك الآلات الذكية سرقتك واختلستك من هؤلاء لترميك بين أناسٍ جلّهم وهميين. وأقول وهميين لأنك على الراجح من الأمور أنك لم تقابلهم في حياتك قط، بل لربما كنت تحادث إحداهن على أنها أنثى، فإذا بك تكتشفها ذكراً أو ربما تخبرك هي أنها ليست أنثى وأنها من الذكور، ولكن تعلق قلبك بها يجعلك تصر على أنوثتها وترفض تصديق كونها ذكراً، فإذا أنت تؤكد لي بأن قلبك تعلق بالوهم مقابل تكذيبه ورفضه للحقيقة.
مخطئ من يظن بأنني أوجه الدعوة لترك تلك البرامج أو المواقع، لا إطلاقاً، ولكني أدعو إلى الحكمة في استخدامها، وكما عُرِّفت الحكمة، بأنها فعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي، أقول لكم إستخدموا هذه الوسائل والمواقع ولكن ضمن هذه الشروط الثلاث:
أولاً، فعل ما ينبغي، وهو أصل العمل، أن يكون مما ينبغي، فلا أستخدمه لأذى الغير فضلاً عن أن يكون فيه أذًى لنفسي.
في الوقت الذي ينبغي، لا أقول في كل دقيقة وثانية، ولا في أوقات الاجتماعات الأسرية أو الاجتماعية، ولكن في أوقات من الفراغ المخصص لنفسك والذي يجب ألا يطول أو يكون هو الأصل.
وعلى الشكل الذي ينبغي من دون إفراط ولا تفريط، بل بما بينهما من عدل وعقلانية في الاستخدام ولا أجعله كالمخدر الذي إن تأخرتُ في تنشقه أصاب بحالة هستيرية..

السابق
السياسة شأن المواطن
التالي
صيدا: ورد الذاكرة وشوك الفراق