يكفي أن تنتشر صورة أو فيديو مسرّب في عالمنا العربي، وتحديداً لبنان أو سوريا، لكي يتبنّاها الجميع ويبنوا الفرضيات على أساسها من دون أن تكون الصور واضحة أساساً. هذه الصورة في رؤوسنا، نرسمها نحن قبل أن نشاهدها أحيانا، وننفيها حتّى إن رأيناها وكانت بخلاف مصلحتنا.
الصورة الّتي تجذبنا هي الصورة الّتي تدعم موقفنا السياسي، هي “الدعامات” الّتي نريدها أن تقول لنا: “انت/أنتِ على حق”. صور مجرزة الغوطة مثلاً، عندما كانت حقيقية، لم تكن كافية لهزّ الضمائر الشعبية، لكنّ صورة جندي مذبوح تهزّ الوجدان وتذبحه “من الوريد حتى الوريد”.
صورة الرجال المنبطحين ورؤوسهم في التراب، التي قيل إنّها لسوريين في عرسال أمس، بالطبع تثير الحنق ضد الجيش اللبناني إذا كانت صحيحة. لكنّ الجيش لم يعترف بهذه الصورة. فكيف نعرف ونتأكّد من أنّها حقيقية؟ كيف نتأكّد إذا كانت صورة الرجل المسنّ المدمى حقيقية؟ هو المضروب الّذي تعرض لما قيل إنّه هجوم من الجيش اللبناني، وانتشرت صورته على أساس أنّه ضحية الجيش، ليتبين لاحقاً أنّ الصورة من الحرب السورية وداخل سورية.
إنّها صورتك أنت، الصورة الّتي ترغب برؤيتها. ليست الكاميرا المعيار، بغضّ النظر عن صدقيّة التقاطاتها. إنّها عيناك، تدوران في الاتجاه الذي تريده. تبدأ الحكاية من منظارٍ تريد أن ترى من خلاله. المنظار يلتقط أحياناً نصف الصورة أو ربعها. لا يختلف الأمر عن الصور المعمّمة.
لا نبحث نحن فعلياً في ممارساتنا اليومية عا ما هو أبعد من الشاشة، لا بل نغضّ النظر عن الشاشة ونخلق شاشتنا، المعارض مثلاً للثورة السورية سيفسّر الدمار على أنّه تحدٍّ للإرهاب ومناصر داعش سيفسّر قطع الرؤوس على أنّه خطيئة الدولة اللبنانية.
لا أحد يريد مشهداً مكتملاً في العالم العربي، لأنّه سيكون جزءاً من المشهد المكتمل. لا أحد يريد أن يرى نفسه جزءاً. ألم أقل لك الصورة هي أنت؟

