الشيعة ودعم الدولة في لبنان: تاريخ عبد الحسين شرف الدين

في الآتي بحثٌ خصّ "جنوبية" به السيّد هاني فحص. وهو يتبحّر في حركة السيد عبد الحسين شرف الدين ونصوصه، إستنادا إلى معاصرته بناء لبنان الحديث وأحلم الدولة العربية مع الشريف حسين، وكيف كان دائما داعما للدولة المدنية، أكان رئيسها عربي سنّيّ أو رئيس لبناني مسيحيّ أو حتّى زعيم جنوبيّ شيعيّ، شرط القيام بمستلزمات الدولة والعناية بالناس والانتساب إلى العدل. والبحث مرفق بالهوامش البحثية الدامغة. (البحث في الداخل)

يعاني الخطاب الثوري الشيعي، كأي خطاب ثوري، تباعداً بين سقفه الرفضي وحركة التاريخ والواقع. فهو غير مطابق. يلزم صاحبه بقيم مطلقة تضعه خارج التاريخ. فإن مسّها عملياً بتعديل ما، تعرّض لتهمة الانحراف. يضع العدل المطلق هدفاً، ثم ينخرط في الواقع فيجد العدل المتاح نسبياً. يلزم نفسه بالصعب أو المحال ويشتغل بالممكن، فيتعرّض للشكّ والمساءلة.

أهل هذا الخطاب يقرأون التاريخ الشيعي مختزلاً بالرفض، الذي يتعدّى الحاكم الجائر، إلى الآخر المختلف. والتاريخ الشيعي أشدّ تركيباً من هذا التبسيط، والشيعي الذي يعفي نفسه من الإشتغال بالشأن العام، يعفيها من حلّ هذا الإشكال.. أما العضويون فيدخلون في الواقع مزوّدين بالمسوّغ الفقهي التاريخي من دون أن يهبطوا بخطابهم وسلوكهم الى الذرائعية المبتذلة.

هذه المسافة بين الخطاب والواقع في لبنان، توازنت في خطاب السيد موسى الصدر، ففاجأت الخطابين! المتعالي الذي ينكسر مع الريح أو الرغبة، والتبريري الذي يتحلّل من القيم، فيبيع ويشتري من دون روادع. التوازن الصدري حلقة من سيرة متصلة بزمن الأئمة (ع)، وفي كنف الصدر استوى على منهجية معاصرة فبدا وكأنه تأسيس.

ومن المحطات الموصولة بالذاكرة القريبة، خطاب علماء الشيعة الكبار في لبنان في المفصل بين سقوط الدولة العثمانية من جهة، وحركة الشريف حسين (الدولة العربية) ونجله فيصل، والدولة القطرية تحت الانتداب، ثم الدولة القطرية المستقلة، من جهة ثانية.

لعل حركة السيد عبد الحسين شرف الدين ونصوصه تشكل الشاهد الأكثر دلالة على موقف الفقهاء، لأنه كان الأشد انخراطاً ومتابعة للتفاصيل، ونتابعه في هذه الورقة لنقرأ حركية الموقف والخطاب الشيعي من خلاله.

يلتقي السيد شرف الدين بالحسين في الحجاز فيرتاح اليه: “وكانت لنا مع جلالته اجتماعات خاصة في بيته وأخرى عامة”، وفي الوداع:  “ودّعنا مكة والقلب يهفو اليها ولوعاً بمليكها مكبراً لأياديه..”. ويؤكد قيادته: “وكان للملك حسين مساع خالدة عرفها له التاريخ، فإن أصاب العرب حظّ من الحظوظ فإنما يكون ذلك ثمرة جهاده”. هذه بداية القبول والرضا والحماسة، ما تبلور مع فيصل الذي استقبله السيد في بيروت عائداً من مؤتمر الصلح في 1919-4-30 بقوله: ” أهنيك يا ابن رسول الله بلسان أمتك العربية، باسم  الكافة من شيعتك المنتظرين لدولتك.. الذين طوقوا بالبيعة أعناقهم”. وتقرأ هنا خطاباً سياسياً ولائياً مع مسوّغه الإيديولوجي:  ابن رسول الله، والشيعة والبيعة على الدولة، وما كان التشيع وحده المبرر، والمؤرخون يؤكدون أن الأسرة الهاشمية كانت شيعية الولاء سنّية المذهب. وما  كان هذا الرضا لأن مشروع الحسين وفيصل هو دولة دينية بل دولة قومية حديثة (ملكية دستورية) حسب تعبير السيد نفسه، ويؤكد ذلك أنّ لهجة السيد بقيت على حالها مع حبيب باشا السعد المسيحي رئيس وزراء لبنان تحت الانتداب ثم رئيس جمهوريته.

يخطب السيد في الحجير 1920-4-24 : “إنّ هذا المؤتمر يرفض الحماية  والوصاية ويأبى إلا الاستقلال المعتمر تاج فيصل العربي”. ويبلغ فيصلاً مقررات المؤتمر في 1920-5-8: “إرفع تحية شيعتك.. العاقدين نيّة القربة على مبايعتك..”. يرتفع بالبيعة الى مستوى العبادة ويؤكد في رسالة في 1930-6-20: “فيصل الأمة.. أؤكد بيعتك.. فقل تُسمَع  ومُر تُطَع”. يرتب على البيعة لوازمها في الطاعة.

وتوقف المشروع، أعاد الحلفاء إنتاجه على قياس مصالحهم المتعارضة والمتصالحة على حساب الأصدقاء، واستحدثت إمارة شرقي الأردن ثم المملكة من بعد لعبد الله أخي فيصل والذي جعل ملكاً على العراق، فتوجه نظر الناس وذوي الشأن من الشيعة الى الزعماء المحليين الذين سارعوا الى القبول بالدولة القطرية تحت الانتداب بعدما يئسوا من تحقيق الدولة القومية. ومع  الناس والوجهاء والعلماء اتجه نظر السيد شرف الدين الى كامل الأسعد موالياً. وفي رسالة منه الى الأسعد يقول: “زعيم عامل وبدره الكامل.. سبحان من خصّك بالرأي وحلاّك بالأخلاق.. وإن لك عندنا عهداً لا يخفر.. ولا نرضى إن غضبت ولا نقطن إن ظعنت”. 12 ذي العقدة 1337 هجرية.

ويتولى حبيب باشا السعد رئاسة الوزارة فيكتب له السيد: ” ما أشوقني اليك وما أسعد لبنان بإسناد مقاليد الحكم إليك.. فإنك من أولئك الصفوة والقدوة.. أما الجنوب.. فلم تمتد اليه يد ببناء ولعل يدك الكريمة تسرع اليه”. والسعد ليس هاشمياً ولا شيعياً، ما يعني أنّ رضا السيد به حاكماً هو قبول بالدولة الحديثة. ويبدو أن السعد أبدى جدارة في الحكم فكتب له السيد عندما صار رئيساً للجمهورية في 1934-2-4: “فقد صدقت فراستي فيك وهذه يا صاحب الفخامة ثقة مطلقة لا يُمحض مثلها إلا لمثلك”.

هنالك أمل لم يتحقق تماماً وقصرت الدولة مع الجنوب فلم تحمه ولم ترعه فكانت مجزرة حولا على يد الصهاينة عام 1949 فكتب السيد الى الرئيس بشارة الخوري مؤكداً دوره في الاستقلال وحكمته في القيادة ولكن: “إن لم يكن من قدرة على الحماية أفليس من طاقة على الرعاية”. ويبلغ الغضب ذروته بعد الحملة العسكرية على عشائر الهرمل فيكتب الى الرئيس: “ألا ترون أنّ إعمار المدارس والمستشفيات يغني عن إعمار السجون والقبور”. إننا لا نجد في كلام السيد فارقاً عن أي كلام سياسي مدني مسؤول اللهم الا ذلك الصدق والعمق في الموالاة والاعتراض.

ويدخل مع أحمد الأسعد في تفاصيل المطالب الشيعية (الخالدة):  الوظائف، الليطاني، المدرسة الرسمية، الطرق، الصحة، إصلاح المحاكم الشرعية، وفي رسالة الى الأسعد كانون الأول 1941 يقول السيد:  “وقد جاء دورك بإجماع الكلمة عليك.. فانهض”. ويعده أن يكون ظهيراً له في حركته وعمله.

إنه خطاب ديني واضح في قبول الدولة المدنية، يعكس واقعية شيعية غير مستجدة، بل هي ترقى في التراث الى مستوى الأصل.

يذكر الشيخ أحمد رضا حديثاً دار بينه وبين شاربنتيه حاكم صيدا  العسكري الفرنسي، إذ قال الحاكم: “وكيف تقولون برئاسة الملك حسين الدينية وهو سنّي وأنتم شيعة؟ قلنا لأنّه حاز الشروط من حيث كونه قرشياً هاشمياً ولا يمنع من خلافته كونه سنياً”.

(إنتهى النصّ) وهنا الهوامش التي استندتُ إليها في بحثي أعلاه.

آخر تحديث: 8 يوليو، 2017 12:25 م

مقالات تهمك >>