الهمجيّة أعلى مراحل البلاء

دمشقُ صبراً على البَلوى فكَمْ صُهِرَتْ        سبائكُ الذهبِ فما احترَقَا

                 (محمد مهدي الجواهري)

حين أنهى مغول هولاكو تدمير بغداد عام 1258، توجّهوا إلى سوريا فبعث حاكم دمشق الناصر يوسف ابنه الملك العزيز الى هولاكو يسترضيه “إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان”. لكن هولاكو المغول أجاب : “بَلغَنا أن تجّار الشام انهزموا بأموالهم وحريمهم إلى مصر، فإن كانوا في الجبال نسفناها وإن كانوا في الأرض خسفناها”. فهمجيّة قتل المدنيين منهجاً وعقيدة  ما حلّت في بلاد العرب والمسلمين، قبل وبعد حرق “مكتبة الحكمة” وتدمير شبكات الري وذبح الناس في بغداد يوم هولاكو، كما تحلّ اليوم في العراق وسوريا. ففي العراق حقّق الغزو الأميركي أهداف بوش ــ رامسفيلد المعلَنَة “بإعادة العراق إلى مجاهل القرون الوسطى”، وما استمرار القتل والتدمير سوى غيض من فيض عودة العراق إلى مجاهل الغرب في القرون الوسطى. وفي سوريا “الحبل على الجرّار” الذي يهدّد بالامتداد إلى باقي البلدان العربية، لا يُبقي ولا يذر في القتل والذبح والتهجير والاتجار بالنساء أو في تدمير معالم العمران ونهب الآثار وحرق الزرع والضرع.

وليس ما يحلّ في سوريا من همجيّة ، كما حلَّ في العراق، امتداداً لتاريخ بلادنا بالرغم من عديد بلوانا بانتفاخ متراكم في رؤوسنا يثقل خطانا، بل هو على هذه الوحشيّة البريّة مرحلة “حديثة” هي حصيلة انهيار أسس مجتمعاتنا وتفتيتها في التبعية لوحشية منظومة الرأسمالية المعولمَة. ففي تاريخنا المديد كان الخوارج أوائل إرهابي ثقافتنا الجوّانية، لكنهم لم يقتلوا الناس ولا دمروا العمران، إنما لجأوا إلى الاغتيال السياسي في أوّل عهدنا بالخروج على الحاكم. وقبيل الغزو المغولي تشرذمت الخلافة العباسية إلى ممالك ومماليك وتعرّضت بلادنا لغزو صليبي وإلى احترابات داخلية رافقها اضطهاد الأقليات العرقية والدينية والطائفية، لكنها كانت احترابات على الغلبَة والنفوذ والسلطان ولم تكن فيها الإبادة والأرض المحروقة استراتيجية ممنهجة. فحضارتنا “ما قبل الحداثة” حافظت إلى اليوم على أعراق وإثنيات يعود تاريخها إلى ما قبل الأديان السماوية، على خلاف حضارة الرجل الأبيض الذي ذبح تعدّد اثنيات وطوائف أوروبا الغربية وسكان أميركا الشمالية. في هذا الصدد ليس ما أشاعه الرحالة الإيطالي “ماركو بولو” (1254 ــ 1324) في مخطوطة (تفكّك العالم 1298)، بشأن همجية الإسماعيليين النزّاريين (الحشّاشون 1090 ــ 1260، بحسب اتهام الفاطميين)، سوى أساطير مغرضَة أشاعها مع قساوسة الصليبيين (بروكاردوس الألماني)، طمعاً بالتجارة بين أسرة “كوبيلي خان” المغولية والعالم الغربي. (بيار راسين، ماركو بولو ورحلاته، بيرّان، فرنسا، 2012). إنما اعتمد النزّاريون الاغتيال السياسي استراتيجية لدرء أهوال الحرب عن المدنيين والعمران، على غرار حركات سياسية كثيرة في القرن العشرين تؤمن بالعنف السياسي (التوبوماروس، الألوية الحمراء، الجيش الجمهوري الإيرلندي….) ولم يفلح المستشرق الفرنسي المرموق (لويس ماسينيون 1883 ــ 1962) كغيره من الكبار، في تغيير افتراءات المؤرخين الغربيين و”أنتلجنسيا” بلادنا المستلبَة، بشأن تهمة الوحشيّة في “العقل العربي” الموروث. (جاك كيريللي، ماسينيون وتسامح بغداد، باريس، 2010).

والحال، ليست الهمجية التي تحلّ علينا استمرار لتاريخ احتراب طوائفنا واثنياتنا على الدوام وفق قواعد وأعراف لم تبلغ همجية الإبادة ومنهجَة التدمير، ولا هي “خلل ثقافي” نتيجة الاستبداد والوهابية والتعصّب الموروث، إنما هي جزء من انفجار “الفاشية الجديدة” في العالم التي تغذّيها في بلادنا مغذّيات وعوامل متعددة، لكنها تنبع من تفكّك أسس المجتمعات المعاصرة وضعضعتها. (جورجيان هابرماس وجاك داريدا، مفهوم 11 سبتمبر، غاليلي، باريس، 2004). ففي أواسط سبعينات القرن الماضي توسّعت وحشية الرساميل الكبرى إلى الأرياف والمناطق البعيدة التي ظلّت بمنأى عن الغزو الخارجي في حفظ الأمن الغذائي و”الستر” في العمل والمسكن. هذه الطفرة جاءت في سياق تحوّل منظومة الرأسمال الغربي نحو سوق البورصات الدولية التي تتحكّم بالمواد الأولية والثروات الطبيعية (ولا سيما الحبوب والأرض والطاقة) تحت اشراف وصايا البنك الدولي في استراتيجية الديون و”الاصلاحات الهيكلية”. وهو تحوّل سياسي وثقافي روّجته دعاية أصحاب الرساميل المالية الدولية في مثالب “الانفتاح” والوعود بالاستقرار والازدهار في أحضان توسّع الغزو الراسمالي. لكنه في المنطقة العربية على وجه الخصوص فُرض بالحرب تحت تأثير هزيمة عسكرية ساحقة عام 67، التي أدّت إلى انقلاب من أحشاء السلطة على سياسات السلطات الاستقلالية (مصر، العراق، سوريا….) الوليدة في سياق حركات التحرر الوطني إثر إزالة الاستعمار (الصين، فيتنام، دول عدم الانحياز….).

في منتصف التسعينات تعمّق التحوّل الرأسمالي الدولي نحو العولمة النيوليبرالية في جولة مراكش “لمنظمة التجارة العالمية” عام 94، الذي قلَبَ المجتمعات إلى غابة لحرية السوق والتجارة والاستثمار الأجنبي المباشَر. فهذا الانقلاب المعولَم ضرب المجتمعات العربية و”العالم الثالث” بزلزال شرّعها أمام “الشراكات الحرة” الذي يعتمد على زيادة النمو في نهب الثروات الطبيعية و”تشجيع” الرساميل في وضع اليد على الثروات العامة. إنما هذا الاقتصاد السياسي ( التسمية الحقيقية للاقتصاد) هو فرع من استراتيجية جيوسياسية فرضت انسلاخ كل بلد عربي عن محيطه الإقليمي، كما فرضت شروط اسرائيل ودول “المجتمع الدولي” في احتلال الفراغ السياسي والأمن القومي. وعلى جري العادة في الغزو، يبدأ المبشّر أولاً بتمهيد الطريق أمام مافيات المال والأعمال في نشر ثقافة سياسية “منزّهة” عن المصالح الخاصة. ف”أنتلجنسيا” بلادنا (ولا سيما مفكروها وخبراؤها)، أخذت، في معظمها، على عاتقها تعريب أنتاج ثقافة مؤسسات العولمة النيوليبرالية وهيئاتها الدولية لتنمية التبعية، سبيلاً “للتنمية” والقضاء على “الجهل والتخلّف”. وقلّما نعثر في أدبيات مثقفينا بحثاً جدياً في آليات تحوّل النظام الاقتصادي ــ الاجتماعي العربي وتبعيته للنموذج، إنما نعرف شبه إجماع بين التيارات المتناقضة على الأسس النيوليبرالية نفسها. (زيادة النمو والاستثمار والانتاجية للتصدير إلى السوق الدولية). بموازاة ذلك قلما نعرف بحثاً جدياً للحوار في تغييرالحدود “الوطنية” التي مزّقها ثالوث الحريات المقدسة (حرية التجارة والسوق والاستثمار) والتبعية السياسية والجيوسياسية. لكننا على النقيض من ذلك غرقنا في طوفان ثقافة “الفاست فود” الداعية إلى طقوس ديموقراطية الحريات النيوليبرالية بدعوى بناء “دولة المواطَنَة” في إطار “الستاتيكو” الجيوسياسي ومنظومة “اليد الخفيّة”. (بحسب آدم سميث 1723 ــ 1790 في كتابه “طبيعة وأسباب ثروة الأمم” ،1776، منشورات فلاماريون، باريس، 1999).

 في البدء كان أوّل البلاء انقلاب أسباب المعاش وسبُل العمران من التضامن في انتاج تراكم الثروة المشتركَة، إلى المنافسَة في تبديد الثروات الطبيعية والموروثة. (البيئة والمياه والبذور والخبرة الحرفيّة والثقافية….) هذه المنافسة جعلت غالبية الناس متسوّلين هائمين على وجوههم يبحثون عن اقتناص رزق البقاء من أفواه مافيات كبار التماسيح، سواء كان أحدهم “لامتسرولاً” أم بربطة عنق أو بلحية وجلباب. ولم تترك النيوليبرالية في هذه الغابة المتوحّشة احتراماً لثروة طبيعية وثقافية وبشرية أو مكتسبَة بالتراكم، غير التي يمكن بيعها في تجارة النهب وسوق النخاسة والرقيق الأبيض. فالبقاء على قيد الحياة بات يتمحور في أي نشاط يدوي أو ذهني وإنساني، على محور المال بين الدوس على الرؤوس أو المهارة في استخدام “عدّة النصب”. إنما في الغابة البرّية يتضامن القطّافون والصيادون حين يكون القطاف وفيراً والصيد معيلاً، لكنهم ينحرون وينتحرون في زمن الشحّ على اصطياد عصفور مسكين. وفي غابنا ينتحر أهلنا وينحرون أهلهم على اصطياد فُتات الفُتات في منافسة كل منهم لأخيه ورفيقه وإزاحته من الطريق إلى الهاوية. وعلى هذا القانون الغريزي تحترب الجماعات الطائفية والإثنية كما المجموعات المهنية والثقافية والسياسية، لإزاحة بعضها البعض في المنافسة على المكانة والنفوذ لاقتناص حصة كل منها “من الشأن العام”. فالنموذج النيوليبرالي إزال اللُبنة البدائية الأولى في لحمة الجماعة، وهي التضامن لصيد وفير في انتاج ثروة مشتركة لايمكن الحصول عليها بدون “يد الجماعة”. ومثلما أنتج التصحّر النيوليبرالي أشكالاً متعددة من المقاومة في أربع جهات الأرض، أنتج همجية فاشية يغذّيها، بحسب المؤرخ الفرنسي “إدمون فيرميي” (1878ــ 1964)، شعور بالإذلال من جهة، والحلم بالعظَمَة في العودة إلى الأصول من جهة أخرى. (ألمانيا : محاولة قراءة، غاليمار، باريس، 1940). فكلمة فاشية هي اشتقاق من طقس شحْذِ السلاح أيام عظمَة روما القديمة، ولكل فاشية جديدة اشتقاقاتها من طقوس قتل الناس وتدمير العمران، في العودة إلى ما تتوهّمه أصولاً من أحلام العظَمَة.

أسباب البلاء لا حصر لها، إنما مصدرها ومنبعها أحتراب على شحّ أسباب المعاش وسبًل العمران الذي يولّد وحشية الصراع الغريزي طمعاً بالنفوذ والمكانة والسلطة والاستحواذ. ولا مندوحة من شرور البلايا ما بقي الصراع على فُتات الفتات التي تتركها التبعية للنموذج النيوليبرالي إلى الهائمين على وجوههم. فالهوَس بالكثرة والزيادة والضخامة بدعوى “نهضة” الأمة، تُفضي إلى نهضة كبار تماسيح الأمة في حرية السوق، وإلى زيادة ضخامة المتسوّلين على أبوابهم. والثروة الأكثر استدامة هي الثروة التي تتراكم كلما توزّعت، على نقيض المال الذي يتراكم كلما تمركز. كما أن الملذات الكبرى هي التي لا تباع في السوق ولا تقايض بالمال. وما الاعتماد على العملة لضمانة تلبية الحاجات إلاّ برهانا على تبديد ثروات الانسانية مقابل عملة ورقية والجموح نحو ملذات استهلاكية صغرى. فالهمجية التي تعصف في بلادنا وفي العالم هي أعلى مراحل البلاء لكن منبعها من أسفل إلى أعلى.

 

آخر تحديث: 24 يوليو، 2017 12:31 م

مقالات تهمك >>