فضل الله: علينا الخروج من الاتهامات والاتهامات المضادة

ألقى العلامة السيد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله، والالتزام بما دعانا إليه عندما قال لنا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}. ولبلوغ التقوى، علينا أن نحرص على ما حرص عليه أحد صحابة رسول الله(ص)، وهو أبو طلحة الأنصاري، حيث تذكر سيرته أنه كان يملك بستاناً من نخيل وأعناب، لم تعرف المدينة أعظم منه شجراً، ولا أطيب ثمراً، ولا أعذب ماء. وفي أحد الأيام، كان يصلّي في بستانه، فأثار انتباهه طائر جميل، فأعجبه منظره، وشرد عن صلاته، حتى إنه لم يدرِ إذا صلّى ثلاثاً أو أربعاً، فلما فرغ من صلاته، هرع إلى رسول الله(ص)، يشكو إليه نفسه التي شغلها الطائر، ونسيانه أنّه يقف بين يدي الله أثناء الصلاة، وهو الذي كان حريصاً على أن يخشع قلبه عند أدائها. ثم قال لرسول الله(ص): أشهد يا رسول الله، أني جعلت هذا البستان صدقة لله تعالى، حتى لا أكرر ما فعلت، فضعه حيث يحبّ الله وتحبّ.

أيها الأحبة، وعى أبو طلحة الأنصاري حقيقة الصلاة، وأهمية أن يُقبل الإنسان على الله وحده، ولا يشغله أي شاغل عنه، ولذلك، ترك بستانه، لأنه شغله عن الله.

بهذه العلاقة مع الله، تسمو أرواحنا وقلوبنا، وتسمو الحياة فينا، وبذلك، نصبح أكثر قرباً منه، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات، وما أكثرها!

والبداية من لبنان، فما إن بدأ اللبنانيون يتنفّسون شيئاً من الأمل بولادة الحكومة الجديدة، حتى جاء التفجير المزدوج ليستهدف الأبرياء مجدّداً، وإن كان تحت عنوان استهداف المستشارية الثقافية الإيرانية، فقد طاول المواطنين في مواقع عملهم وتنقّلهم، والطلاب في مدارسهم، والأيتام في أماكن رعايتهم، فسقط جراء ذلك ضحايا وجرحى، تدمع العيون لرؤيتهم، وتنفطر القلوب لآلامهم ولآلام محبيهم، وكل ذلك من دون أن يقترف هؤلاء أي ذنب، سوى أنهم تواجدوا في هذا المكان، أو كانوا يتنقّلون فيه.

إنّ ما حدث يؤكّد مجدداً الطبيعة الإجرامية للفاعلين والمخططين، والتي لا يمكن تبريرها بأي معيار، وتحت أي عنوان، دينياً كان أو إنسانياً، فالمطالب والقضايا التي يطرحها هؤلاء، لا تُعالج بدماء الناس، ولا بتخويفهم وإرهابهم.

إنَّ هذا الواقع يضع الجميع في هذا البلد أمام مسؤولياتهم، حيث المطلوب من كل المواقع الدينية والسياسية والاجتماعية والإعلامية، التعاون والتكاتف في مواجهة هذا المنطق الإرهابي، لكي نحاصر فكره وحركته، وذلك بأن نسدّ كل المنافذ عليه، وأن نقف في مواجهة كل من يسوِّق له، أو يبرِّر مثل هذه الأعمال، في أي مكان أو زمان، من خلال الموقف والحركة والعلاقات، وأن نكون عيوناً تراقب وتحدّق في كل ظاهرة شاذة نراها في واقعنا، وإلا لن يأمن أحد في هذا الوطن على أولاده، ولا على أحفاده، ولا على المستقبل الآتي.

إن علينا في هذه المرحلة، الخروج من الاتهامات والاتهامات المضادة، والنقاش في مَن صاحب الحق، فهذا له موقعه في الحوار، سواء في الحكومة أو غيرها، علماً أن هذا النوع من التفجيرات الآثمة، لا يمكن أن نوجد له مبرراً في طبيعته، وفي استهدافاته، وفي كل النتائج المترتبة عليه.

إننا أمام هذه الفجيعة، نتوجّه بالعزاء إلى أهالي الضحايا، وندعو الله أن يشفي الجرحى، وأن يمنّ على أهلنا بالصبر، وندعو الحكومة الجديدة إلى الارتقاء إلى مستوى آلام اللبنانيين، وخوفهم على مستقبلهم، والإسراع بإنجاز بيان وزاري يتناسب مع هذا التحدي، إضافةً إلى التحدي الصهيوني، الذي علينا أن لا نغفل عنه، في ظل الخروقات الصهيونية المستمرة، والتهديدات التي يوجّهها للبنان بعدوان قريب عليه، ولا بد من العمل سوياً، والمقاربة الفاعلة لكل الملفات المطروحة؛ الأمنية والاقتصادية، فضلاً عن ملف النفط والنازحين السوريين…

إننا لن نحمّل الحكومة أكثر من طاقتها، لأننا نعرف جيداً حجم تعقيدات المرحلة، ولكننا نريد منها أن تبذل أقصى طاقتها في معالجة كل الملفات المتراكمة والطارئة، بروح مسؤولة، وبتعاون من الجميع، بعيداً عن الحسابات المذهبية والطائفية، والموقع السياسي لهذا الوزير أو ذاك، فالوزير هو وزير للوطن كله، وهذه المرحلة هي أشد المراحل صعوبة وتعقيداً، لأن لبنان يقف الآن على حافة زلازل سياسية وأمنية تحيط به.

ولذا، لا ينتظرنَّ أحد الحلول سريعاً. ويبقى أن نشير إلى ما يجري في طرابلس؛ هذه المدينة التي يُراد لها أن تبقى في دائرة الاهتزاز، وعدم الاستقرار، والقتل العبثي، والتصفيات، والاغتيالات. إنّ المطلوب إزاء هذا الوضع، رفع الغطاء عن كل العابثين بأمن هذه المدينة، وإعطاء الحرية للجيش اللبناني للإمساك بزمام الأمور، لأن أبناءها يستحقون العيش الكريم، والأمن، والاستقرار، بعد كل هذه المعاناة.

أما سوريا، فقد كنا نتمنى أن تخلص جولة التفاوض الثانية إلى نتائج عملية، ترفع عن كاهل الشعب السوري الآلام التي تعصف به منذ حوالى ثلاث سنوات، ولكن يبدو أن الأزمة في هذا البلد مرشّحة للاستمرار، وسط حديث متزايد عن خطط لتسليح هنا، وإشعال حرب هناك.

لقد بات واضحاً أن الأزمة السورية دخلت في إطار صراع الجهات الدولية والإقليمية، وعبث السلاح والمسلحين، ما يعني أن معاناة هذا البلد قد تستمر طويلاً، لذا، ينبغي أن يتركّز الرهان أولاً وأخيراً، على إيجاد مناخات لحوار سوري ــ سوري، وعلى ما يجري من المصالحات التي نأمل أن تتوسّع في الشكل والمضمون، لتُنتج واقعاً حوارياً جديداً في سوريا، بعيداً عن لغة القتل والعنف، التي أثبتت أنها لا تحسم شيئاً، ولا تؤدي إلى أية نتائج ترضي طموحات الشعب السوري.

وأخيراً، إننا نسجّل مرة أخرى خشيتنا مما يجري في فلسطين، وخصوصاً عندما تنطلق المواقف من الجانب الفلسطيني الرسمي، لتطمئن الصهاينة بأن فلسطين لن تغرق باللاجئين، الأمر الذي يثير الشكوك والمخاوف من أن تستهدف التسوية الشعب الفلسطيني، الذي يُراد له أن يمضي على صكّ الاستسلام، والقبول بيهودية الكيان، ويشطب حق العودة، مع كل ما يعنيه ذلك من تفاقم للمشاكل السياسية في المنطقة كلها، والمشاكل الإنسانية داخل فلسطين نفسها وفي جوارها.

ومن هنا، فإننا نجدد الدعوة للفصائل الفلسطينية، إلى الوحدة، والمزيد من التنسيق، ونعيد التأكيد على الشعوب العربية والإسلامية، أن لا يشغلها شاغل عما يجري من مخططات لغزة، وللضفة الغربية، وللقدس والمسجد الأقصى، ولكل فلسطين.

السابق
لبنان إلى قمة العرب.. وأوباما ـ عبدالله
التالي
تجمع لبنان المدني: الاقتصاص من الارهاب بتنفيذ القانون والالتزام باعلان بعبدا