تزدحم الاستحقاقات الدستورية هذا العام، ومن المتوقع أن يرتفع منسوب الاحتقان السياسي مع كلّ استحقاق، نتيجة الانقسام الحادّ وغياب الحدّ الأدنى من التوافق الوطني أو الرغبة في إتمام التسويات السياسية، خصوصاً بعد اغتيال الشهيد محمد شطح.
أوّلاً، على مستوى الحكومة: يتّجه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلّف إلى تأليف حكومة حيادية الأسبوع المقبل، وكلّ القوى السياسية أخذت علماً في ذلك، والرئيس سليمان يعمل على التخفيف من وقعِها عبر دعوة الكتل النيابية إلى ممارسة دورها في منحها الثقة أو حجبها عنها بغية الذهاب إلى استشارات جديدة للتأليف والتكليف.
وفي معزل عن هذا المسار الدستوري 100% والذي سيفضي في نهاية المطاف إلى عدم منح الحكومة الحيادية الثقة، وتحوّلها إلى حكومة تصريف أعمال، وإعادة تكليف سلام مجدّداً، يسعى فريق 8 آذار إلى ربط نزاع دستوري عبر الادّعاء أنّ عدم منح الحكومة الثقة لا يخوّلها ممارسة صلاحيات رئاسة الجمهورية في حال الفراغ، ما يشكّل دعوة ضمنية إلى استمرار الحكومة الميقاتية، أي تكرار تجربة الحكومتين، أو الذهاب نحو تعطيل كلّ آليّات النظام السياسي وصولاً إلى الفوضى الدستورية.
وتشكّل الحكومة الحيادية تحدّياً لقوى 14 آذار أيضاً التي لن تتمكّن من منحها الثقة في حال اعتمدت قاعدة 6 و6 مكرّر، بمعنى إرضاء هذه القوى بشكل الحكومة وإرضاء 8 آذار بالبيان الوزاري، وبالتالي الثقة كلٌّ متكامل، كما يجب أن تكون منسجمة مع الأسباب الموجبة لقيام حكومة من هذا النوع.
ثانياً، المحكمة الدولية: إنطلاق أعمال المحكمة يعني مسألة أساسية، وهي وضع “حزب الله” تحت المجهر باستمرار، بمعزل عن وتيرة جلسات هذه المحكمة، فضلاً عن العناصر الجديدة التي يمكن الكشف عنها في كلّ جلسة من جلساتها، وبالتالي إعادة إحياء التفاصيل المتصلة باغتيال الشهيد رفيق الحريري ستشغل الحزب بالحدّ الأدنى وتجعله معنيّاً بتوضيح ملابسات كلّ ما يمكن أن يتمّ الكشف عنه أو إثارته.
ثالثاً، الاستحقاق الرئاسي: إذا كان تأليف حكومة أو عدمُه قضية تتّصل برئيس الجمهورية والرئيس المكلّف، فإنّ انتخاب رئيس جديد يتطلّب اتفاق 8 و14 آذار على مرشّح توافقيّ نظراً لتعذّر انتخاب رئيس معركة، وإلّا سيمارس كلا الفريقين التعطيل، والوصول إلى التوافق متعذّر بدوره، إلّا في حال حصول توافق دولي-إقليمي على انتخاب رئيس جديد، وذلك بضغط فاتيكاني لعدم إفراغ الرئاسة الأولى، وهذا التوافق غير مستبعَد في حال نجحت باريس برعاية تفاهم سعودي-إيراني حول لبنان.
رابعاً، الانتخابات النيابية: يتوقّف إجراء الانتخابات النيابية على طبيعة المشهد السياسي في تشرين الثاني المقبل، فإذا كانت البلاد تعيش في ظلّ حكومتين وفراغ رئاسي وتفجيرات أمنية واغتيالات سياسية، يصبح، ربما، من المتعذّر حتى التمديد النيابي، ويدخل لبنان في فراغ تشريعي للمرّة الأولى من قيام الجمهورية اللبنانية.
هذا على مستوى الاستحقاقات الدستورية، ولكنّ الهاجس الأمنيّ يبقى الأبرز، خصوصاًَ الاغتيال السياسي، والذي في ضوء استمراره قد تضطرّ قوى 14 آذار إلى اللجوء لخيارات لم تكن مطروحة جدّياً منذ العام 2005.
وفي موازاة كلّ هذه الاستحقاقات التي تؤدّي إلى مزيد من التشنّج والتعقيد، تبقى الأنظار شاخصة إلى المسارات الخارجية، وتحديداً الإيرانية-السورية، التي تنعكس مباشرة على الوضع اللبناني، حيث إنّ منتصف العام الحالي يشكّل محطّة مفصلية للانتقال إلى المرحلة الثانية من المفاوضات الغربية مع إيران، كما محطّة أساسية لتحديد اتّجاهات الأزمة السورية، وبالتالي ثمّة مخاوف جدّية من تفجير الساحة اللبنانية، لتحويل الأنظار الدولية عن المسارين السوري والإيراني، أي إلهاء المجتمع الدولي في لبنان في محاولة قديمة-جديدة لشراء الوقت، فضلاً عن أنّ طهران ستُسقط أيّ محاولة لجعل لبنان ساحة اختبار لنواياها السلمية في المنطقة عبر الدفع نحو “جنيف لبناني” يؤدّي إلى تحييد لبنان، هذا الوضع الذي لا يلائم إيران التي تعتبر أنّه يأتي في نهاية المطاف لا في بداياته.
وعليه، من المتوقّع، في ظلّ الفراغ السياسي المتمادي، والانكشاف الأمني الواسع نتيجة الأزمة السورية ورفض “حزب الله” الخروج من “فيتنام” جديدة، أن ينزلق الوضع في لبنان نحو الأسوأ.

