التفاهم السعودي ـ الإيراني سيأتي، امتداداً طبيعياً للتفاهم الايراني ـ الدولي الذي كرّسه اتفاق جنيف حول الملف النووي الايراني. والادارة الأميركية بعلاقتها الوثيقة بالرياض كانت دائماً، وبتأثير النفوذ الإسرائيلي في واشنطن، تضغط لإبقاء التوتر بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما منها السعودية.
وهذا الضغط الأميركي كان يرمي دائماً الى هدفين: اولهما تشديد الخناق على إيران، وثانيهما ابتزاز دول الخليج النفطية عبر تهديدها بـ”الخطر الايراني” وهو ابتزاز نجمت منه صفقات اسلحة اميركية ضخمة لدول الخليج، كذلك نتج منه ايضاً واقعٌ افضى الى الاستعانة بمليارات الخليج لمواجهة الازمة المالية والاقتصادية التي تعاني منها واشنطن في السنوات الاخيرة.
لكنّ تفاهم واشنطن وطهران سيغيّر هذه المعادلة، بل إنّ واشنطن باتت ميّالة الى تشجيع تقارب ايراني – خليجي عموماً، وايراني – سعودي خصوصاً، يُطَمئن دول الخليج ويخفف التوتر السائد بين الرياض وواشنطن منذ المكالمة الشهيرة بين الرئيسين الاميركي باراك أوباما والايراني الشيخ حسن روحاني خلال زيارة الأخير لنيويورك.
وعلى رغم المعلومات الشحيحة عن القمة الأخيرة بين خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز وأمير الكويت الشيخ صباح الاحمد الصباح وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد، فإنّ المراقبين يعتقدون انّ امير الكويت صاحب المواقف المعتدلة نسبياً إزاء طهران والازمة السورية سيسعى، ليس فقط لترطيب العلاقات بين الرياض والدوحة والتي إضطربت أخيراً إثر حديث سعودي عن منح قطر جنسيتها لمعارضين سعوديين قريبين من “الإخوان المسلمين”، بل ايضاً لترميم العلاقات بين طهران والرياض، وهي علاقات ينعكس تحسّنها على الكويت خصوصاً، وكذلك على دول المنطقة وفي مقدمها سوريا ولبنان.
ولقد جاء موقف مجلس الوزراء السعودي برئاسة ولي العهد الامير سلمان بن عبد العزيز والذي أعلنه وزير الثقافة والاعلام الدكتور عبد العزيز خوجة، ليكشف نظرة ايجابية للرياض الى اتفاق جنيف النووي، داعياً الى أن يكون مقدمة لتفاهم حول كلّ ازمات المنطقة، ونزع السلاح النووي واسلحة الدمار الشامل من عموم بلدانها، ولا سيما الدول الواقعة على طرفَي الخليج.
وبهذا المعنى يستطيع الرئيس بري بلباقته ودماثته واعتداله تقديمَ حجج كثيرة تدعم منطق الدعاة الى حوار بين الرياض وطهران، مستنداً خصوصاً الى تصريحات نائب وزير الخارجية الإيرانية أمير حسين عبد اللهيان في بيروت بعد الانفجارَين اللذين استهدفا السفارة الإيرانية، حيث اتهم اسرائيل متحدثاً بإيجابية عن الملك عبدالله وسعة صدره واعتداله، على رغم وجود بعض الأيدي الراغبة في توتير العلاقات بين البلدين.
ولا بدّ انّ بري سيتحدث في طهران طويلاً عن لبنان وأزماته المتعددة والتي ليست الازمة الحكومية وحيدة بينها، بل ايضاً امتداد تنظيم “القاعدة” الى لبنان بكل ما يؤدي اليه من انفجارات لن تبقى شظاياها محصورة في لبنان وحتى في سوريا وحدهما، بل قد تؤدي الى اشعال فتنة مذهبية عمياء تمتدّ من لبنان الى باكستان ولن تكون أيّ دولة بعيدة عنها.
وفي الملف السوري سيستند بري الى الاعلان عن موعد مؤتمر “جنيف -2” حيث اعلن المبعوث الأممي والعربي الاخضر الابراهيمي انّ الاطراف السورية جميعاً ستشارك فيه وبلا ايّ شروط مسبقة، وبالتأكيد من هذه الشروط الشرط الذي يعترض على حضور ايران فيه على رغم أنّ واضعي هذا الشرط يقولون ليلاً ونهاراً إنّ ايران هي طرف في هذه الازمة وبالتالي ليس من المنطقي أن تكون خارج الحلّ.
ويعتقد المراقبون انّ المسؤولين الإيرانيين من المرشد الاعلى السيد علي خامنئي الى رئيس الجمهورية سيكونون متجاوبين مع ايّ تطور ايجابي في علاقات طهران مع دول الجوار. فالعلاقة الإيرانية – التركية على رغم كل ما مرّت به من تجاذبات تسير في الاتجاه الصحيح، وبالتالي مِن الذي يمنع تطوّر العلاقات السعودية ـ الايرانية وفق المنوال نفسه بما يخدم مصالح الدولتين ويحترم سيادتهما وحقوقهما.
وقد كان لافتاً أن تفتح صحيفة “الشرق الاوسط” السعودية صفحاتها لمقالة مهمة لوزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف تحت عنوان “جيراننا أولويتنا”، طَرح فيها ما يشبه مبادرة لحوار بين الدول الثماني القائمة على ساحل الخليج، وقال: الحدود التي تفصلنا عن جيراننا في الجنوب ليست مجرّد ممرّ مائي فحسب، فهي أيضاً مورد رئيس مشترك للحياة، وكلنا نعتمد عليه، ليس فقط للبقاء، بل للتطور والازدهار.
ولأنّ مصيرنا متشابك، فإنّ أكبر وهم نقع فيه هو اعتقاد أنه يمكن لأحدنا أن يحقق مصالحه من دون الأخذ في الاعتبار مصالح الآخرين”. وأضاف: “نحن نمدّ أيدينا بصداقة ووحدة إسلامية إلى جيراننا، ونؤكد لهم أنه بإمكانهم الاعتماد علينا كشريك يثقون به”.
موقف ظريف هذا، وغيره من المؤشرات ستساعد بري في زيارته لطهران والتي يصفها كثير من المراقبين بأنها “تاريخية”، خصوصاً انه كان حريصاً طوال الأزمة على إبقاء خطوطه مفتوحة مع جميع الاطراف اللبنانية والعربية والدولية المعنية بالاوضاع في لبنان.
وقد يكون مبكراً توقّع نتائج سريعة لمساعي الخير بين الرياض وطهران، لاسيما انّ قوى متضررة منها ما زالت تعمل لإبقاء الخصومة محتدمة بين الدولتين، ولكن من يقرأ التحوّلات الدولية والاقليمية المتسارعة يدرك انّ الامور تسير في اتجاه إنجاز تفاهمات اقليمية تستكمل التفاهم الدولي مع طهران، وانّ ايجابيات ستظهر في وقت ليس ببعيد، بما يعزز أمن الخليج وفرص حلّ سياسي للازمة السورية وإخراج لبنان من نار الازمة المشتعلة سياسياً وامنياً على ارضه.
فهل يعود بري من طهران بأخبار سارة؟ وهل يستطيع لبنان بحجمه الصغير تأدية دور ايجابي في حلّ ازمات المنطقة، خصوصاً اذا بادر كلّ طرف فيه الى استخدام علاقاته مع حلفائه في المنطقة لإقناعهم بانفراج لا ينعكس على لبنان وحده، بل على المنطقة بأسرها؟
المُتوقع أنّ حدّة التصريحات المتوترة لبعض الجهات اللبنانية ستتراجع اذا ادرك اصحابها انّ التفاهمات في الإقليم والعالم باتت السمة الرئيسة التي تحكم العلاقات بين الدول. وليس مستبعداً أن نرى بري في وقت ليس ببعيد ملبياً دعوة قديمة – جديدة لزيارة السعودية قد تكون هذه المرة حاملة مبادرة ترضى بها طهران ودمشق، ولا ترفضها الرياض.

