حبّة لولو: ما بعد الحرب في سينما لبنان

قراءة لفيلم حبة لولو
فيلم ليال راجح "حبّة لولو" ليس حكاية نساء يستعرضن ملابسهن على الشاشة. هو حكاية عن ذيول الحرب وأبعادها النفسية، وبطريقة ما رؤيتنا نحن جيل ما بعد الحرب للأمور والثمن الذي ما زلنا ندفعه حتّى الآن لأنّ أسلافنا اختاروا القتال في ما بينهم.

أحرص دائماً على مشاهدة الأفلام السينمائية اللّبنانية، على قلّتها، ليس فقط لمساندة هذا الإنتاج المحلّي بل ترقّباً لتطوّره على أمل أن يصبح لنا إنتاج سينمائي فعّال.

مقاربة السينما في لبنان بالنسبة لي تشبه هذا الوطن: محاولات للخروج من التمزّق والخلق من اللّاشيء. ولماذا نقول اللّاشيء؟ لأنّنا نعرف جميعاً الصعوبات التي يعانيها القطاع الثقافي والسينمائي ضمناً، في دولة تعتبر أنّ تكريس الثقافة والفن لا يكون خارج “وسام الأرز” الذي يلقى غالباً على قبور الراحلين.

ما استفزني هذه المرّة قبل أن أشاهد فيلم المخرجة ليال راجح “حبة لولو” هو تلك الحرب الّتي شنّها عليه عدد من النقاد عبر مقارنة فيلمها بفيلم “ليالٍ بلا نوم” للمخرجة إليان الراهب. ذاك الذي يوثّق معاناة امرأة فقدت ابنها في الحرب ويضعها في مواجهة مع العدو القديم والمقاتل التائب أسعد الشفتري.

المقارنة كانت تهدف إلى القول إنّ عدد مشاهدي “حبة لولو” أكثر بكثير من عدد مشاهدي “ليال بلا نوم”، ما يعكس، بحسب النقاد، هامشية المشاهد اللبناني وانجذابه إلى الاستهلاك. ربما تكون هذه التهمة صحيحة وليس القصد هنا نفيها أو التبرئة منها، بل التوضيح فقط أنّ فيلم ليال راجح ليس حكاية نساء يستعرضن ملابسهن على الشاشة. هو حكاية عن ذيول الحرب وأبعادها النفسية، وبطريقة ما رؤيتنا نحن جيل ما بعد الحرب للأمور والثمن الذي ما زلنا ندفعه حتّى الآن لأنّ أسلافنا اختاروا القتال في ما بينهم.

يبدأ “حبة لولو” بهذه المقاربة بين لبنان البلد الجميل المنقسم بين الفقراء والأغنياء، البلد الذي يخدع ليس فقط أبناءه بل أيضاً محيطه. ويطرح قضايا مهمة منها الأطفال غير الشرعيين والإجهاض. في مشهد من مشاهد الفيلم، تنظر “ليال” (زينة مكي) إلى الببغاء في قفصه وهي تتحسّر لأنّ لديه جواز سفر يخوّله أن يعبر بين القارات بينما هي ثمرة اغتصاب مقاتل لأمّها إبّان الحرب الأهلية تخاف حتى من التنقل في بلادها لأنّها لا تملك أوراقاً ثبوتية.

تناول قضية الأطفال غير الشرعيين في السينما أمر جديد وأساسي له أبعاد تدفعك الى أن تفكّر بالعاهات والمآسي التي تركتها الحرب. الفيلم أيضاً يطرح مسألة الإجهاض ويفتح في الأذهان سؤال: هل الحلّ في التخلّص من جنين أتى في ظروف غير ملائمة أو الأفضل التمسّك به رغم الصعوبات.

إجابة راجح على هذه الأسئلة – المآسي رسمت لنا في نهاية الفيلم أملاً.. أملاً ما نحتاجه نحن اللبنانيون. وإن كانت راجح اختارت الأمل، فقد تركت لنا اليان الراهب الجرح مفتوحا، كما هو واقع الحال. تركتنا ونحن نفكّر ما الذي يجب فعله لطي صفحة الماضي. بل هي وضعت الجلاد مقابل الضحية.

ربما إن عُمّمت هذه المواجهة على صعيد وطني، على غرار ما فعل نلسون مانديلا في جنوب أفريقيا بالدفع الى المواجهة بين الأطراف المتصادمة وصولا إلى المصالحة العرقية، نصل يوماً إلى أن نبني وطناً للعيش المشترك وليس وطناً لشعارات كاذبة مثل “الوحدة الوطنية”.

ربما، فقط ربما، بواسطة مواجهة كهذه ننتج “حبة لولو” تبشّر ببعض الخير لوطن يحتضر.

السابق
ورشة عمل في صور لتحسين نوعية زيت الزيتون
التالي
يا خوف عكّا من هدير البحر