على رغم أن هناك دستوراً للبلاد، فإن الكثير من اللبنانيين ولا سيما السياسيين والمسؤولين منهم، لم يعتادوا على قراءته في كلِّ مرة يحتاج فيه الوضع إلى مراجعة إحدى مواد الدستور.
ولأن الحديث عن الإنتخابات الرئاسية بدأ في المنتديات والصالونات والبيوتات السياسية، فإن القفز فوقه وكأن أوانه لم يحن بعد، هو من باب القفز فوق الحقائق والوقائع.
السؤال الأول الذي يُفترض أن يُطرَح هو:
هل من مواصفات يجب أن توضَع للمرشحين؟
هناك نوعان من المواصفات:
الدستورية والسياسية.
المواصفات الدستورية ليست “مواصفات” بالمعنى الحقيقي للكلمة بل هي مجرد “شروط تقنية” حيث ورد في المادة التاسعة والأربعين من الدستور:
“لا يجوز إنتخاب أحد لرئاسة الجمهورية ما لم يكن حائزاً على الشروط التي تؤهله للنيابة وغير المانعة لأهلية الترشيح”.
وعندما نقرأ في قانون الإنتخابات عن “شروط الترشيح” فإننا لا نقع سوى على شروط تقنية حيث ورد في قانون الإنتخابات:
“لكل لبناني أو لبنانية أتم الخامسة والعشرين من العمر الحق بأن يترشح للإنتخابات النيابية”.
كما ورد في القانون “لا يجوز أن يترشح لعضوية مجلس النواب إلا من كان لبنانياً مقيداً في قائمة الناخبين، متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية، متعلماً، ولا يجوز أن يترشح المجنس لبنانياً إلا بعد إنقضاء عشر سنوات على صدور مرسوم تجنيسه”.
الإستحقاق الرئاسي لا يدور حول هذه المواصفات “الدستورية” بل حول المواصفات “الخُلُقية والسياسية والوطنية والعائلية والمسلكية”، وهنا يبدو أن المُشترِع قصَّرَ سهواً أو عَمداً عن تحديد المواصفات مع جعل الترشيح وكأنه عملية سهلة وبسيطة ومتاحة لأيٍّ كان.
إذا كان المُشترِع قد سها عن المواصفات فإن الرأي العام يُدرِكها جيِّداً ويحفظها جيِّداً وهو لا يتساهل في أن تكون متطابقة مع مواصفات أي شخص يريد الترشح.
ألن يُلقي الرئيس المنتخب خطاب قَسَم؟
لا يمكن له أن يضع صفةً في الخطاب المذكور ما لم تكن هذه الصفة متوافرة فيه، وكم من الرؤساء وضعوا خطباً لم تكن تشبههم على الإطلاق سواء على المستوى الشخصي أو على المستوى السياسي أو على المستوى الوطني:
فمَن كان سلوكه غير مُعتدل كيف له أن يتحدَّث عن الإعتدال؟
ومَن كان سلوكه غير ديمقراطي كيف له أن يتحدث عن الديمقراطية، ومَن كان سلوكه التردد كيف له أن يتحدَّث عن الحزم والحسم؟
صحيح ان المهلة لإنتخاب رئيس جديد تبلغ التسعة أشهر، ولكن لا بأس من بدء طرح مواصفات المرشحين، بكل صدق وجرأة وشفافية، ليكون الرأي العام على بيِّنة من شخصية مَن سيتبوأ رأس الدولة على مدى ست سنوات.
ما لم يجرؤ الرأي العام على هذا الأداء وعلى مطالبة المرشحين بمواصفاتهم، فإننا سنبقى في بلد تكثر فيه الشخصيات وتقل فيه المواصفات، وعندها ماذا ينفع كل هذا الكلام.

