ما بات يعرف بالمبادرة الروسية، وهي في الاصل فكرة اميركية، او بالاحرى مطلب اميركي واسرائيلي قديم جرى تحديثه في اعقاب مجزرة الغوطة، تمثل بداية طريق شاق وطويل، يحتاج الى معجزة لكي يصل الى الهدف النهائي المنشود اي تجريد النظام السوري من اسلحته الكيميائية..التي لم تعد جزءا من الصراع في سوريا، بل صارت بندا من بنود معاهدات نزع الاسلحة الاستراتيجية في العالم.
ما زال من المغامرة القول ان ثمة مبادرة روسية. الفكرة اطلقت علنا للمرة الاولى قبل اسبوعين من جانب عدد من اعضاء الكونغرس الاميركي، وبينهم النائب ستيف اسرائيل، (والاسم ليس مستعارا)، الذين فوجئوا باعلان الرئيس باراك اوباما التوجه نحو عملية عسكرية ضد سوريا، لا تسقط النظام ولا تنزع اسلحته الكيميائية، وطلبوا من الادارة ان تستكشف مدى استعداد موسكو لازالة تلك الاسلحة السورية، مقابل تراجع واشنطن عن العمل العسكري، الذي لا يحظى اصلا بالغالبية لدى الرأي العام الاميركي، او في داخل الكونغرس، حيث رفض رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الاستجابة لطلب اوباما المساعدة في تغيير موقف النواب والشيوخ الموالين لاسرائيل، والمناهضين لخيار الحرب.
في البداية، ترددت موسكو عندما سمعت الاقتراح من اوباما في قمة مجموعة العشرين في سان بطرسبورغ، ثم من وزير الخارجية جون كيري في لندن وباريس، لانها في الاصل لا تريد ان تجزم بوجود سلاح كيميائي في سوريا، والاهم من ذلك انها لا تود ان تقر ضمنا بان نظام بشار الاسد هو الذي استخدم هذا السلاح في الغوطة. لكنها وافقت في ما بعد مشترطة ان تعلن واشنطن، وعلى لسان اوباما شخصيا، تراجعها عن الخيار العسكري. وهو ما حصل بالفعل عندما طلب الرئيس الاميركي من الكونغرس تأجيل التصويت على تفويضه بالقيام بعمل عسكري، واعلن انه يستطيع ان يحقق مبتغاه من دون اللجوء الى القوة.
من هذه النقطة، بدأت جولة جديدة من الحوار الاميركي الروسي، يمكن ان تكون سوريا عنوانها الرئيسي والوحيد اليوم، لكنها لن تبقى كذلك غدا.. بحثا عن قاسم مشترك بين جانب يخادع في التلويح بالحرب، وبين جانب يساوم على نزع سلاح استراتيجي، ينكر وجوده او على الاقل استخدامه من قبل حليفه السوري. وهو وضع لا يختلف كثيرا عما كان سائدا في جميع الجولات السابقة من التفاوض حول خفض الاسلحة الاستراتيجية بين الدولتين، لا سيما في زمن الاتحاد السوفياتي.
التاريخ يفيد ان الخداع الاميركي والانكار الروسي كان مجديا لاحدهما وقد ادى الى تجريد الاخر من عناصر تفوق ترسانته النووية وبالتالي من أهم عوامل قوته الدولية. لكن التاريخ لا يعيد نفسه..الا بشروط غير متوافرة للجانبين، ولا يمكن ان توفرها الحرب السورية تحديدا، التي تسجل الان تعادلا في موازين القوى، واستحالة في حسم الصراع في ميادين القتال وحدها.. وبالتالي ميلا متبادلا من قبل المتحاربين نحو الذهاب الى التفاوض، الذي يفترض حكما تسليم احد الفريقين بان معركته خاسرة.
ليس هناك دليل واحد على ان روسيا تريد ان تنتقم من الاذلال الذي تعرضت له في اعقاب تفكك الاتحاد السوفياتي، او ان تستخدم سوريا لشن هجوم مضاد على اميركا والغرب، على ما يقول الممانعون ويتمنون، لكن هناك اكثر من دليل على انها تعتبر الازمة السورية منصتها السياسية والدبلوماسية الاكثر اهمية في هذه اللحظة، لتحريك وتحديث مفاوضاتها مع الاميركيين، حول الكثير من القضايا الثنائية والعالمية. هي تدرك ان دمشق ليست ورقتها الرابحة، لكنها تعرف ايضا انها لم ولن تكون ورقة اميركية رابحة ايضا. الاصح انها مأزق مشترك لكل من موسكو وواشنطن، وازمة يرغب الجميع في تفاديها والابتعاد عنها قدر الامكان.
الخروج من هذا المأزق السوري المشترك يتطلب الكثير من المهارة الدبلوماسية التي لا تبدو ظاهرة اليوم في موسكو او في واشنطن.. حيث تدخل العاصمتان في حوار جديد تسبقه مناورات عفا عليها الزمن، وهي تثير السخرية في كل مكان معني بوقف دمار سوريا.

