دولة لبنان ودولة حزب الله

تعرضت سيارة بلوحة ديبلوماسية تابعة للسفارة الكويتية يقودها ديبلوماسي كويتي للتفتيش والتحقيق من قبل نقطة أمنية تابعة لحزب الله في الضاحية الجنوبية من بيروت، في تجاوز واضح للقوانين الديبلوماسية الدولية والتي تمنع تفتيش أو توقيف السيارات التابعة للسفارات.

بعد ذلك سارع مسؤولون رسميون لبنانيون بالقول تبريرا بأنه حادث عرضي وخطأ فردي، أما حزب الله فاعتبر ما جرى بأنه «غلطة» معللا سببها بضرورات أمنية، عقب التفجيرات التي شهدتها الضاحية التي يسيطر عليها، وكشفت عورته الأمنية وعور عيون أجهزته.

هذه «الغلطة» كما أسماها الحزب ليست كذلك، بل هي خطيئة متعمدة، فحصانة الديبلوماسيين من البديهيات، ومثلها لا يخفى على الحزب، وهي إشارة إلى أنه لم يتوصل حتى اللحظة إلى خيط يقوده للجناة في تفجيرات ضاحيته.

الملاحظ أن الحزب لم يسارع للاعتذار عن خطيئته بل بررها تبريرا سمجا، ولعلها تتكرر مستقبلا حسب رغبة مسؤوليه الأمنيين، وكأن الديبلوماسيين الكويتيين اتخذوا من سياراتهم أدوات للتفخيخ والتفجير للإضرار بالحزب وأمنه، وعلى كل حال فليس متوقعا من حزب مدعوم ماليا وعسكريا وسياسيا بدعم خارجي، ويشكل – بكل ما تعنيه الكلمة من معنى – دولة مستقلة داخل دويلة شبه مستقلة تسمى لبنان، أن يبدي عذرا أو أسفا على خرقه للاتفاقات الديبلوماسية، وليست هي المرة الأولى التي يخطئ فيها الحزب بحق الكويت، وبالتأكيد لن تكون الأخيرة، فسجله لا يساعد على إحسان الظن به.

لست أبالغ البتة حين أقول إن حزب الله يمثل حقيقة دولة داخل دويلة، فللحزب شبكة اتصالاته الخاصة به بعيدا عن الشبكة الرسمية للدولة، واستخدم السلاح حينما حاولت الحكومة مجرد الاقتراب منها، كما أن له كاميراته المباشرة في مطار بيروت الحريري فضلا عن بسط سيطرته الأمنية الكاملة على الضاحية الجنوبية من العاصمة، ناهيك عن ترسانته العسكرية الضخمة والأسلحة النوعية التي لا تمتلك الدولة اللبنانية مثيلاتها وجيشه المتفوق عددا وعدة على الجيش اللبناني.

وأخشى إذا استمر الوضع البائس على ما هو عليه أن تمتد يده لعلاقات لبنان الخارجية فيعلن الحزب قطع العلاقات الديبلوماسية للدولة اللبنانية مع بلد وينشئها مع آخر حسبما يشاء، أو أن ينادى أمينه العام بدولة الرئيس.

لم تتأخر الكويت قط في مساعدة الشقيقة لبنان، وطالت أغلب هذه المساعدات الضاحية الجنوبية التابعة للحزب بعد كل هجوم إسرائيلي يدمر فيها البنية التحتية، نتيجة مغامرات الحزب اللامسؤولة، وقراءته للمجريات السياسية قراءة خاطئة وأحيانا مجنونة، أحرج فيها لبنان دوليا وأظهره بمظهر الدولة العاجزة التي سلمت قهرا أمر نفسها لحزب لا يدين لها بالولاء، وبدلا من أن تجازى الكويت بالإحسان إذا بها تجازى بالإساءة والنكران.

إن لم يوقف الحزب عن خطف القرار الحكومي والاستبداد بالسيادة اللبنانية، فسيلتحق لبنان بلا ريب بركب الدول الفاشلة، وستنقلب الدويلة برمتها إلى أشبه ما يكون بالحي الصغير لكل قاطن فيه شأنه الخاص وقراره المستقل، الأمر الذي يجلب الفوضى وربما التناحر الأهلي الذي عصف بلبنان لأكثر من عقد ونصف العقد.

السابق
ينصر دينك يا ريس أوباما
التالي
ماذا حصل ليلاً في عرمون