لبنان بين الأمن الذاتي واللاَّأمن؟

لا أحد يجرؤ على القول: أنا أريد امتلاك السلاح كما يفعل «حزب الله». أو ربما لا أحد يريد ذلك. لكنّ أحداً لا يجرؤ، أو ربما لا يريد، أن يمنع الناس من القول: نريد الأمن لمناطقنا بأيّ ثمن، كما «حزب الله»!
المعادلة الآتية هي: “حزب الله” يعلن مشروعية إعلان الطوارئ في مناطقه، بعد إختراقها أمنياً. يقيم الحواجز فيها وعلى مداخلها، يدقِّق في الهويات، وإستطراداً “يَعتقل” “المشتبه بهم”. وما مِن أحد قادرٌ على منعه، لا الجيش ولا القوى الأمنية. ولا أحد قادرٌ حتى على إنتقاده، لا شركاؤه كالنائب وليد جنبلاط، ولا خصومُه في “14 آذار”، الذين يطلبون الأمن… ولو في الصين!

يقول “حزب الله” إنه معذور. فالدولة عاجزة. وهو على حقّ في ذلك. لكنها عاجزة… بسبب سلاحه وإختراقه أجهزة الدولة وتشغيلها غالباً لمصلحته.
وبعد إنفجار آخر في منطقة أخرى، سيخرج خصوم “حزب الله” لا ليعلنوا مشروعية التسلُّح، فهذا أمر لا يتحمّلونه، بل مشروعية “الإدارة الأمنية” لمناطقهم. وسيجري ذلك بتبرير شعبي، وتحت ضغط الرأي العام في هذه المناطق، حيث سينتفض الشارع مطالباً بالأمن بأي ثمن، ولو بالأمن الذاتي.

لن تستطيع القوى العسكرية والأمنية أن تمنع الناس من حماية أنفسهم، فهي أيضاً “من الناس” و”للناس”. ولن يقول شيئاً أركان الحكم، المصرِّفون للأعمال، ما داموا عاجزين. فالذريعة هنا وهناك في محلّها. وقد يدفع إنعدام القرار السياسي الحازم بالقوى الرسمية إلى خارج “الغيتوات” أو الكانتونات المقفلة أمنية، بعدما كانت مقفلة على أنفسها إجتماعياً وإقتصادياً… ونفسياً. ويتحوّل الأمن الرسمي حارساً للحدود الداخلية الوليدة، والمناطق المتنعِّمة بأمنها الخاص.

هذه الصورة لا مبالغة فيها على الإطلاق. وهي اليوم قائمة في الضاحية ومناطق “حزب الله”، حيث الأمن الرسمي يوكل لـ”الحزب” أمنه الذاتي، عبر لجان الإرتباط، منعاً للمسّ بالمقاومة. والتجربة قائمة أيضاً في عين الحلوة وسائر المخيمات الفلسطينية، حيث الأمن الرسمي يكلِّف الأمن المحلي بإدارة الأمور، عبر لجان الإرتباط أيضاً… وهناك أيضاً منعاً للمسّ بالمقاومة أو المقاومات الفلسطينية. والتجربة قائمة في جبل محسن وبعض أحياء طرابلس الأخرى، ولو بنسبة أضعف.

وستكون التجربة تلقائية وبديهية ومبرَّرة في مناطق السنّة في الدرجة الأولى، كردّ على الأمن الذاتي الشيعي. وقد تفرض الظروف تعميم التجربة مسيحياً. والملامح أطلّت بالتدابير القواتية – العونية العابرة للصراعات والمحاور في الأشرفية. وقد يرى الدروز أنهم أمام التجربة عينها أيضاً، لكن الدوريات الروتينية التي يسيِّرها “حزب الله” في مناطق درزية لها أهميتها.

وبالتأكيد، لن تستطيع الدولة بأجهزتها توفير الأمن في أي منطقة مهما حاولت أن تبرز عضلاتها. ولا يمكن لأحد أن يشعر بالطمأنينة في دولة “أبو ملحم”، أو الدولة التي ترى بعين واحدة ولا تنجح إلا في التصدي لفريق واحد.

سيكون السؤال المطروح في المرحلة المقبلة، ماذا تفضّلون: الأمن الذاتي وما يحمله من مخاطر على الوحدة الوطنية أم اللاأمن وما يحمل من مخاطر على سلامة الناس. وفي عبارة أخرى، السؤال سيكون: ما هو الأهم: أرواح الناس أم وحدة البلد؟

وحدة البلد مقدّسة. هذا محسوم. ولكن، سيكون الجميع محشورين في المرحلة المقبلة. وسيقول كثيرون: يجب أن يكون هناك “ناس” أولاً، ليكون هناك “بلد” ثانياً!

عند هذا المحك، ستكون خصخصة الأمن أكبر تهديد لمركزية البلد. وقد يجد الجميع أنهم مختلفون على كل شيء، لكنّهم متفقون على هذه الخصخصة، لأن أي طرف لن يستطيع أن يحسم المعركة العسكرية ويُخضِع الآخرين لمشيئته.

وعندما تسقط مركزية الأمن، تسقط كل المركزيات الأخرى. وقد لا تبقى منها إلاّ القشرة الرقيقة. عندئذٍ سيكون هناك لبنان آخر في الإنتظار، على قارعة الشرق الأوسط الجديد. وأبرز المساهمين في صناعته هم رافعو الشعارات الرافضة له.

السابق
حرب بين مافيات الحرب
التالي
رفض الاستبداد برفض الغزو الأميركي