أوغلو يُهدّد اللبنانيين بالخطف

أحمد داوود أوغلو وزير خارجية دولة «محترمة». هكذا يفترض، أو بالأحرى هكذا تحاول تركيا أن تُظهّر نفسها خلال السنوات الأخيرة. بهذا التظهير حاولت تركيا أيضاً، ذات يوم، الدخول إلى «جنة» الاتحاد الأوروبي. لكن ما نقلته صحيفة «النهار»، أمس، عن أوغلو تحديداً، يوحي بأن الرجل يستخدم لغة أقل ما يقال فيها إنها «ميليشياوية»، لا تمت إلى التمدّن والدبلوماسية بصلة. لغة قُطاع طرق وعصابات «مافيوزية». بحسب الصحيفة، أبلغ أوغلو نظيره اللبناني الوزير عدنان منصور، في اتصال هاتفي، أن «الاستمرار في خطف الطيارين التركيين قد يدفع أسرتيهما إلى خطف لبنانيين في تركيا، رداً على على خطف ابنيهما في بيروت»! بهذه البساطة، يتحوّل وزير خارجية دولة ذات ثقل إقليمي وازن، فجأة، إلى رجل يُهدّد، ولو بطريقة غير مباشرة، المدنيين اللبنانيين بالخطف.
«الأخبار» اتصلت بالوزير منصور للتأكد من صحة ما نقل، فنفى بداية أن يكون الأمر «بهذه الدقة». ولفت إلى أن الاتصال ليس جديداً، كما أن ما قاله أوغلو «لا يمكن عدّه تهديداً، إذ لا يمكن أن يُفهم منه هذا المعنى. فكل ما قاله لي إن على الدولة اللبنانية أن تبذل جهوداً حقيقية لتحرير الطيارين المخطوفين لأنهما بريئان، الأمر تماماً يُحسب كما لو أن هناك لبنانيين في تركيا وجرى خطفهم، فإن هؤلاء أيضاً لا يتحملون أي ذنب… هذا كل ما قاله الرجل في اتصاله». يبدو أن منصور يريد حمل نظيره على المحمل الحسن، لكن في توضيحه هذا يمكن البعض أيضاً أن يفهم كلام أوغلو على أنه تلويح باحتمال الخطف، وبالتالي تهديد غير مباشر، وإلا فما معنى أن يُذكّر بهذه الفكرة البديهية إنسانياً؟ أوغلو لا يقبل إنسانياً أن يُخطف لبنانيون في تركيا! كلام فيه شيء من قبيل تندّر «اختراع البارود». ماذا عن أصل القضية، مخطوفي أعزاز، والمرحلة التي وصلت إليها المفاوضات؟ لا جديد لدى منصور ليضيفه، إذ يكتفي بالقول: «التواصل الأمني مستمر بين الأطراف».
إلى ذلك، لم يطرأ جديد في قضية مذكرات التوقيف الغيابية الصادرة أول من أمس بحق 10 أشخاص من أقارب المخطوفين الـ9 في منطقة أعزاز. المطلوبون لـ«العدالة» ما زالوا في أماكنهم. أكثرهم في الضاحية الجنوبية لبيروت، وكانوا يتنقلون أمس بشكل طبيعي وعلناً، وما زالوا على تحدّيهم للقضاء والأجهزة الأمنية بأن توقفهم، مع إصرارهم على عدم علاقتهم بحزب الله، وأن منطلق تحديهم نابع من شعورهم بـ«المظلومية».
مصادر في وزارة العدل أوضحت لـ«الأخبار» أن المعنيين في الأجهزة الأمنية، وحتى في القضاء، يدركون صعوبة توقيف المطلوبين للاستماع إلى إفاداتهم في هذه المرحلة. إذاً، لماذا أصرّ فرع المعلومات على ملاحقة هؤلاء بحماسة لافتة، بينما كان في إمكانه «حفظ» الملف إلى وقت لاحق، خصوصاً بعد ما تعرّضت له الضاحية في انفجار الرويس؟ ليس لدى المعنيين في وزارة العدل ما يقولونه في هذا الإطار، إذ «تبقى المسألة بيد الأجهزة الأمنية المختصة، والقرار لها. أما القضاء، فعندما تصله قضايا كهذه مع موقوفين ومضبوطات لا يمكنه إلا التعاطي معها إلا وفقاً للقانون». لكن من جهة ثانية ثمة من تحدّث عن دور للنيابة العامة أيضاً، إذ يُقال إنه «كان بإمكانها عدم الادّعاء الآن، في هذه الظروف، وذلك من منطلق معرفتها بعدم إمكان توقيف المدعى عليهم، اللهم إلا في حال حصلت صدامات، وبالتالي كان يمكنها التأجيل عملاً بمبدأ المصلحة العليا».
وفي هذا الإطار، لفتت مصادر مسؤولة، متابعة للملف، الى أن «قضية مذكرات التوقيف الغيابية يمكن حلّها لاحقاً بكيفية لا يظلم فيها أحد، بعد حلّ قضية المخطوفين التركيين، وبالتأكيد مع السعي لحل قضية اللبنانيين المخطوفين في أعزاز». من جهته، أكّد وزير العدل شكيب قرطباوي أنه «يتفهم» مطلب أهالي المخطوفين اللبنانيين، لكن في المقابل «لا يمكننا إلا أن نستنكر عملية خطف التركيين». ولفت قرطباوي في حديث الى «الأخبار» إلى أن «التعاطف يزداد مع الأهالي اللبنانيين مع عدم تعاون السلطات التركية في هذه القضية، التي لم تعمل بشكل جاد للإفراج عن اللبنانيين، مع علمنا الأكيد أن لتركيا مونة على الخاطفين، وبالتأكيد نحن لا نتهمها بأكثر من ذلك». يُذكر أن قرطباوي هو أحد الوزراء الأربعة الذين تألفت منهم اللجنة الوزارية الخاصة لمتابعة قضية المخطوفين.
وفي سياق متصل، زار أهالي المخطوفين اللبنانيين نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، بحضور ممثل المجلس الشيخ عباس زغيب أمس. وبعد الاجتماع، أعلن زغيب، باسم قبلان، أن المجلس «سيبادر إلى رفع دعوى قضائية ضد الحكومة التركية أمام الاتحاد الأوروبي والمحافل الدولية، لأنها ترعى الخاطفين والخطف، خصوصاً بعد تصريح رئيس الدبلوماسية التركية (أوغلو) بأنه سيتم خطف لبنانيين في تركيا مقابل الطيارين التركيين، وهذا من أبرز مصاديق الإرهاب الدولي المنظم». وأضاف زغيب أن المجلس «يطالب السلطات اللبنانية بتغيير نمط تعاطيها مع أهالي المخطوفين، مع رفض التعرّض لهم تحت أي ذريعة كانت». كذلك طالب بالإفراج عن الموقوفين اللبنانيين لدى القضاء اللبناني، داعياً إلى «تحرّك شفّاف من الحكومة التركية واللبنانية للإفراج عن كل المخطوفين في لبنان وتركيا».

السابق
هل قلتم “ربيع”؟
التالي
صراع الوجود يخنق لبنان