سيرورة الثورة انطلقت ، لكن على ما يبدو لم نعد قادرين على التحكم بها. المتفائلون يصفونها بمرحلة الطفولة التي بها أمراضها وبالتدرج سيتحسن حالها. هؤلاء على الأغلب ظنوا أن الكل يدور حولهم. في تقديم الوصف السابق محاولة للإبقاء على عظيم أمرهم وأمرها. الفوضى من حولنا ليست وليدة الصدفة ونظرية التفتح على اللامعقول خاصة من خصائص القرن الواحد والعشرين.
السؤال المطلوب الإجابة عنه الآن هو عن المرحلة التي وصل إليها مشروع الشرق الأوسط الجديد ؟ ما هو حجم التحولات وما هو السبب الحقيقي وراء تدافع الأحداث في المنطقة و تسارعها ؟ ماذا يحصل في شرق الأردن ، في مصر ، فلسطين ، لبنان ، سورية ، شمال العراق ؟ ماذا يعني تنازل الأمير الكبير الى ابنه صاحب السمو تميم ؟.
ما حصل في دول إقليمية ، وما يحصل في عواصم صاحبة نفوذ ، ومما لا شك سيطاول إمارات تنفذ مصالح دولية ، يستحق قراءة متأنية وتبصرا ونظرة ثاقبة. وعلى ما يبدو إدارة أوباما قررت خوض غمار التغيير بالاعتماد على وكيل ملك وليس على أخ قائد ولا على أمير.
الدائرة ليست أعظم الأشكال الهندسية كمالاً والسقوط إن حصل يبقى في زمانه ، مثله في ذلك كمثل التفاحة في القطار المتحرك إن أسقطت احتفظت بالسرعة التي كانت لها قبل سقوطها. لا عودة إذاً الى القرون الوسطى ولا إلى أمراض الطفولة ، إنه زمن الذرة والمشي على القمر وزيارة المريخ. زمن رؤية الآخر وإن من وراء البحار ، زمن المعرفة وفيه يكتب النصر دون تضحية أو حتى قتال.
إيران المثقلة بفكر الثورة قررت متابعة التوسع والسيطرة على بلاد العرب ، هي شنت حرباً بالتزامن مع الغرب هدفها تقاسم جغرافيا المنطقة. صراع السيطرة على الضعيف وما كان في يوم من الأيام بين الأقوياء.
هي ليست البداية ولم تكتب الى الآن على أنها النهاية ، انه التدحرج ولكن هل التدحرج الذي بدأ سببه وزن إضافي ؟ وهل هو في العادة ينحرف قليلاً وقليلاً عن مساره والعيب في طبيعة الأرض المائلة ؟ .
نصر الثورة قذف ببعض قادتها الى مكان بعيد جداً عن الأرض ، هم على الأرجح عالقون ، عالقون بين قوتين دائمتين تمارسان عليهم الضغط ، قوة القذف التي سببتها ديمقراطية الغرب (الزائفة) ، وجاذبية الأرض وفيها (عشق) الموت في سبيل الجمهورية والولاية والفقيه.
الملوك ، الأمراء ، النبلاء ، السادة أصحاب القلنسوات والعمامات ، كان باستطاعتهم وحدهم قراءة التعاليم والحكمة ولهم الحكم يأمرون بالحرب ويصنعون الثورات، ذلك لأنها كتبت بلغات ما كان يفقهها غيرهم ،ولكن بعد النهضة ومعاصرة دول تحولت بفضل الحرية الى جنة وبعد تقدم المعرفة والحكمة ، ترجمت الى عدة لغات وتشكلت بفضلها مرحلة ليس مضطراً فيها الواحد ولكي يحصل على الغفران أن يعبر عبر من ذكرنا من السادة أصحاب الألقاب والاعيان ، وبات يقيناً أن موقع الفرد من النعيم لا يعظم بقدر ما يدفع واحدنا لهؤلاء. يحكى انه وفي قديم الزمان حين حكم هؤلاء قطعوا اللسان وأحرقوا الإنسان وصلبوا الأبدان ثم كفروا عن ذلك بأن أقاموا للثوار تمثالا.
بالعودة الى مصر وحكم الإخوان فالصراع قائم فيهم وبينهم منذ زمن قطب وحاكميته والهضيبي ودعويته ، وذلك ظاهر في رد الثاني على الأول بكتاب "دعاة لا قضاة" وموجزه يدور حول القواعد الشرعية والموازين الإسلامية الدقيقة التي يجب على المنخرطين في الدعوة استخدامها في نظرتهم الى الناس وهم ماضون.
أما الحاكمية ، الأستاذ المودودي (أول من نادى بها) ، فقد أخذها عنه في الطريق سيد قطب و فيها أن الحكم لله وباسمه والحكم بغير ذلك جهل والتصنيف المباشر لها أنها جاهلية والحكام فيها جهال.
أمام هذه الأفكار وامتداداتها يمسك الغرب ومعه إيران الثورة رهينة ، ومنطقهما أن عداهما لا كانت بقية ولا بقاء ، نزعة التسلط تلك تخنق الحلم … ثوار أقصوا وآخرون عزلوا عن واجهة الأحداث ومن الميدان.
وحدها انحناءات الإنسان تصنع المستبد ، أخشى ان تصبح الأحداث تاريخاً بعضه جنون وبعضه الآخر أوهام وما يصفَّى للخير منه إلا كلمتان ، لقد عاش الشعب العربي يوماً "أضغاث أحلام" .
ابدأ بالتكنيس قبل الإنشاء ، اقطف النهار ، اصنع الخلد واصبُ للبقاء وللامتداد. وإلا ستبقى تحتفل بالماضي إلى أن يأتي الغد عليك. انحت الصخرة ففيها تختبئ حياة ويسكن جمال. القابلة ليست هي من تلد الطفل يا إخوان ، هي تستدعى لتقديم المساعدة عند الولادة.
كرم السكافي

