وضعت جماعة "الإخوان المسلمين" نفسها خلال الأسبوعين الماضيين في خانة أكثر القوى السياسية المصرية انتهازية. فالجماعة التي كانت تعدّ نفسها الكيان السياسي الأكبر والأكثر تنظيماً في مصر – وفي هذا بعض الصحّة – اختارت منذ اندلاع الثورة قبل عامين أن تتفاوض مع قوى الدولة، اعتماداّ على ثقتها في التحكّم في الشارع، وبحكم تكوينها وأيديولوجيتها المحافظة المضادة للثورة بشكل عام، والتي تتلاءم مع رغبة تلك القوى في السيطرة على المجتمع المنفجر.
اختارت الجماعة أن تعقد "اتفاقاً قذراً" مع المجلس العسكري وقوى الدولة القديمة. خطوط الاتفاق العامة، كما يمكن قراءتها الآن، العمل على تهدئة الأوضاع المنفجرة بعد الثورة: الانسحاب من أي مشهد احتجاجي يطالب بتنفيذ مطالب جماهيرية، سواء سياسية تتعلق بمحاكمة حقيقية لنظام مبارك أو بهيكلة وتطهير وزارة الداخلية، أو فيما يتعلق بمطالب اقتصادية واجتماعية تتعلق بفرض ضرائب تصاعدية، وتحديد حد أدنى وأعلى للأجور، وفتح باب الحريّات التنظيمية والنقابية وما يتعلق بحرية التظاهر والاعتصام والاحتجاج. وفي المقابل: الوصول إلى كرسي حكم مصر.
قامت الجماعة، ومن ورائها التيار الإسلامي كله، بالعمل على تهدئة الأوضاع عبر الدعاية لعدم تغيير الدستور، والدعوة لانتخابات برلمانية سريعة، لأنهم يعلمون أنهم سيربحونها، برروا جرائم المجلس العسكري الدموية من كشوف عذرية إلى قتل المتظاهرين في أحداث ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء، إلى آخر السلسلة الطويلة من الجرائم، وصولا إلى سلسلة جرائم الإخوان أنفسهم، منذ وصول "مرسيهم" إلى كرسي الرئاسة.
لم تحاول الجماعة منذ اللحظة الأولى بناء أي نوع من أنواع التحالف مع القوى السياسية الأخرى. لم تحاول مدّ جسور شعبية خارج أسوار تنظيمها الحزبي، إلا عبر نظام الصدقة والإحسان. كان ظنّها أن هذا يكفيها، ويمكن أن يحميها. وعند الوصول للرئاسة بدا أداء الجماعة أشبه بجائع يحاول أن يأكل أكثر من طاقته، ويحشر فمه بكل ما تجمع يداه، حتى لو كان فمه لا يمكن أن يتسع لكل ذلك، ومعدته لا تستطيع هضمه.
أمام كل هذا الصلف، لم يهدأ الشارع لحظة وهو يرى محاولة الاستحواذ على كل شيء من دون إعطاء أي مقابل. ومن ناحية أخرى، أمام فشل الإخوان في تهدئة الشارع، قرر عاقدو الصفقة فضها وترك الإخوان لمواجهة الغضب الشعبي وحدهم. فبعيداً عن الأزمات السياسية التي أحدثها مرسي، تتابعت الأزمات المعيشية: غلاء الأسعار، تخبط في القرارات الاقتصادية، انقطاع مستمر للكهرباء في مصر كلها. ثم جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير، عندما خلت البلاد المصرية كلها تقريباً من المحروقات.
كان من الممكن بدلاً من أن يلقي مرسي في السادس والعشرين من حزيران/ يونيو خطابه الطويل الممل – استمر لأكثر من ساعتين ونصف الساعة – أن يعدد أسباب إعاقته عن العمل خلال العام الذي أمضاه كرئيس للجمهورية، بعد بداية الثورة. كان يمكنه أن يشير إلى ألاعيب أجهزة الأمن من مخابرات وأمن دولة، كان من الممكن أن يفضح دور بيروقراطية الدولة، كان من الممكن أن يبيّن تواطؤ قادة القوات المسلحة، كان يمكن للرئيس المشكوك في شرعيته قبل دعوة شعبية حاشدة للتظاهر ضده بعد أربعة أيام أن يدعو جماهير الشعب للاستفتاء عليه، كان أمام مرسي والجماعة خيارات كثيرة قبل تظاهرات الثلاثين من حزيران/ يونيو، خيارات يمكنها أن تجعل منه بطلاً شعبياً في مواجهة أعدائه الذين سيصبحون ساعتها أعداء الثورة. ولكنه فضل أن يواصل دوره كرئيس مهزوز، لا يملك من أمره شيئاً سوى تلاوة خطابات طويلة مملة تدفع الجميع للتشكيك في قواه العقلية.
حتى بعد تظاهرات الثلاثين من حزيران/ يونيو الحاشدة، وبعد مهلة الـ48 ساعة وإعلان عزل مرسي وتولي رئيس المحكمة الدستورية رئاسة البلاد، كان يمكن لجماعة الإخوان أن تحافظ على وجودها التاريخي والتنظيمي داخل المجتمع، كان من الممكن أن تراجع الجماعة أخطاءها وخطاياها، أن تعاود النظر في مسارها السياسي منذ الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2011 حتى إعلان عزل مرسي، كي تتمكن من المحافظة على أي مساحة وجود للمرحلة المقبلة.
لكن الجماعة قررت الانتحار، بغباء، وباتباع سيناريو رُسم لها جيداً، فيخرج المرشد ليخطب في أتباعه المعتصمين في ميدان رابعة، ويطالبهم بالثبات ويبشرهم بالنصر الأكيد، وأن رئيسهم سيأتي محمولاً على الأعناق، ليخرج الآلاف من الإخوان في هجوم على المعارضين في أماكن عدة في القاهرة وغيرها من المحافظات، وبشكل أساسي على ميدان التحرير، ليتم إخراج موقعة جمل جديدة انهزم فيها الإخوان سريعاً ويسقط العشرات قتلى من الطرفين، ويرتكب الإخوان خطيئة جديدة، ويسهّلون أيضاً للآخرين تحميلهم موقعة الجمل الأولى.
اختار الإخوان عقد صفقات مع أعمدة "دولة يوليو"، وتعامل الإخوان بغرور وصلف مع الجماهير ومع القوى السياسية الأخرى، وانتهى بهم الأمر ليحملوا جرائمهم وجرائم الآخرين. فالشرطة اغتسلت من ذنوبها وصوّرت كل الجرائم الماضية على أنها من فعل الإخوان، وتناسى الإعلام جرائم المجلس العسكري، وظهر السيسي كعبد الناصر الجديد، ودخل مشروع الإسلام السياسي مرحلة الاحتضار، ولم تغرق الشوارع إلا في دم الفقراء.
المعارضة الآن تبدو منتصرة – ونقصد بالمعارضة هذا القوس المتسع الذي يضم محمد البرادعي وحمدين صباحي وجبهة الإنقاذ بأحزابها، وشباب حركة "تمرّد" وآخرين – وتبدو أيضاً على وشك عقد صفقة جديدة مع أعمدة الدولة، وإن لم تدرك جيداً كيف تصرفت الجماعة خلال فترة ظهورها، وإن لم تعمل على بناء ظهير شعبي حقيقي عبر تحقيق مطالب الثورة السياسية والاقتصادية، بحيث يقف وراءها في مواجهة أعمدة النظام، ستتعرض لسيناريو مشابه لما وقع للإخوان وإن كان أكثر دموية ووحشية – بحكم خبرات العنف التي يحصّلها المصريون منذ اندلاع الثورة – ويقود إلى العدمية السياسية. فبرغم كل العوامل التي تدخلت لتعمل على إسقاط الإخوان، يبقى تحرك الجماهير هو العنصر الرئيس، الذي لو لم تلبّ الحكومة القادمة مطالبه، سيحرق الجميع.

