أثَر الأسير: شواهد قبور كثيرة

آن لحفلة الشماتة أن تنتهي. البيئة التي حضنت ظاهرة أحمد الأسير رغم مسّه بمصالحها الاقتصادية وتهديده علاقاتها بجوارها ولم تحاول ولو مرة واحدة تأنيبه أو أقله تهدئته، خسرت في المواجهة ــ التي لم تحسب يوماً لها حساباً ــ مجموعة من شبابها

تنتهي في زحمة السيارات أمام حاجز الجيش عند مدخل صيدا فصول الشماتة بـ«الشيخ أحمد الأسير» و«سلخ» اللبنانيين أبطالهم المزعومين حين يقعون. ما زال الموظف في متجر حلويات صيداوي يسميه «الشيخ أحمد». ومتلفتاً يميناً ويساراً، يقول هامساً إن «الشيخ ظُلم». هو واحد من كثيرين ما زالوا يضعون على مواقع التواصل الاجتماعي صورة الأسير خلف أسمائهم الوهميّة، وينشغلون برواية شبه خرافية عن وقوع مسلحيه في فخِّ التصادم مع الجيش.
مقارنة بأيام صيدا المعتادة، كان السير أمس في مدينة معروف سعد خفيفاً. «أحضره طفلاً وخذه عبقرياً» تقول لافتة أحد المعاهد التقنية في الطريق إلى عبرا، فيما يصطف بعض الكثيرين الذين أحضروا أبناءهم أطفالاً ومراهقين إلى جامع بلال بن رباح لـ«تعليمهم وتثقيفهم» قبالة مركز مستحدث للجيش، أملاً بأخذ أبنائهم، أحياءً أو جثثاً.
قبل البلدة التي تجاوزت شهرتها التوقعات، لافتة على جدار متهاوٍ تحتل صورة الرئيس رفيق الحريري زاويتها وعبارة «اشتقنالك» صدرها. يمكن استبدال رسم الحريري الأب بالحريري الابن، وإبقاء العبارة نفسها. رجل مسن يسرّ للصحافيّ بما يحزّ في قلبه دون حسيب أو رقيب: «غيابهما سبب كل ما تشهده مناطقنا. لا يمكن أن تحدث فراغاً. سيملأه غيرك. هذا ما حصل هنا». ومن شرفة تطل على أرض المجمع المحروقة، يستكمل آخرون الفكرة نفسها: «بعد الحرب، تموضعت صيدا بامتداداتها العمرانية ضمن معسكرين رئيسيين: رفيق الحريري ومصطفى (وأسامة) سعد. ورغم وجود مجموعات إسلامية في المدينة أعرق من حركة الأسير وأفعل، لم تغادر سوى قلة قليلة جداً اصطفاف الحريري ـــ سعد باتجاهها. لكن في عامين فقط تغير كل ذلك». بموازاة إقفال مجدليون حنفيتها بحكم الشح الحريري المالي، أخرج الحريريون خدماتياً من جزء من السلطة، وبدأت مواكب المطرودين من «سعودي أوجيه» تصل واحداً تلو الآخر. لكن قوى 8 آذار لم تتقدم خطوة إلى الأمام، لم تدر أحد مزاريبها الخدماتية أو المالية مثلاً إلى حقل حليفها في المدينة النائب السابق أسامة سعد أو غيره. أبقت قديمها على قدمه، بخطابه نفسه وقدراته. وهكذا نجح الأسير حيث فشل كثيرون: استقطب شباباً من بيوتات اصطفاف المدينة التاريخيّ، وتجارها، وعائلاتها غير المبالية غالباً بالسياسة. وبعيداً عن المعلومات عن وجود مقاتلين سوريين وعرب وأجانب ضمن مقاتلي الأسير، تتحدث المصادر الصيداوية عن نحو 8 قتلى أقله من أبناء المدينة ونحو 8 مصابين أيضاً وأكثر من 30 صيداويّاً لا تعرف عائلاتهم بعد عنهم شيء. لهؤلاء القتلى والجرحى والمفقودين أسر لا تشاهد في شاشات التلفزة مساء سوى حراب توغر في جراحها. تعلم المرأة، يقول أحد الصيداويين مشيراً إلى سيدة تقف قبالة عسكري ترجوه أن يطمئنها على قريبها، أنه قتل أو أصيب أو أوقف في المعركة الخطأ، لكنه يبقى ابنها أو شقيقها أو زوجها أو والدها. الروابط العائلية هنا قوية وحين يقتل فلسطيني في مخيم عين الحلوة يتشح أكثر من منزل في المدينة بالأسود حداداً فكيف الحال والقتلى المتداول بأسمائهم من عائلات صيدا؟ وليس عرضاً، أشار مفتي صيدا الجديد محمد نصار (الذي يعارض تيار المستقبل بشدة تسلمه دار الإفتاء) في هذا السياق أمس إلى أن «ظاهرة الأسير كانت تحظى بأنصار من كل عائلة وبيت صيداويّ».
تسنى لشباب التنظيم الشعبي الناصري رفع أعلام حزبهم فوق أعمدة الكهرباء في «الطريق المحررة»، قبل أن يتسنى لعمال النظافة جمع القمامة التي مرّ على تكدسها في شارع البث المباشر أكثر من 5 أيام. غالبية المحال هنا لا تزال مقفلة؛ يشير صاحب إحداها إلى متجر للهواتف الخلوية ومتجر خضر وغيرهما اثنان، مؤكداً أن أصحابها من «جماعة الأسير ولا نعرف عنهم شيئاً». الحركة اليوم خفيفة في مركز الجماعة الإسلامية، لكن الجيران يجمعون على وصف دور «الجماعة» بالكبير في اليومين الماضيين. وتذمر بعض الشباب الصيداويين قرب عبرا وبعيداً قليلاً عنها من «ترك الأسير» يخبو حين يصل سائلهم إلى «إخوان لبنان». «نحمل الخير لكل الناس»، تقول لافتات الجماعة في عبرا. يزداد كمّ الزجاج المكدس في الأرض عند الاقتراب أكثر فأكثر من مجمع الأسير. وكلما اقتربَ الصحافي أكثر يزداد حذر السكان في التعاطي معه حتى لو كان برفقة أحد أبناء الحي الموثوقين. يظنّون أن أي انتقاد صغير للجيش سيعرّضهم لمساءلة قانونية لا يعرف لها نهاية. أما انتقادهم الأسير وممارساته أو إظهار سعادتهم مثلاً بخلاصهم منه، فيعرضهم لاحقاً لانتقام فلوله. وبين الإثنين، يفضلون الصمت. أما الأسئلة الجدية، بعد يومين على وقف إطلاق النار، فتتعلق بالتعويضات وموعد إعلان جوار المجمع الذي يشمل نحو ثمانين مبنى منطقة آمنة.
يساراً، يقود الطريق قبل المجمع إلى جامعة القديس يوسف. تحيط الإرساليات التعليمية المسيحية بمربع الأسير: القديس يوسف من تحت وثانوية السيدة للراهبات من فوق. كان يفترض بتلة الأسير أن تكون المجمع التربوي لبلدة عبرا، المسيحية ضمن التصنيف المذهبي للقرى اللبنانية، وجوارها. وفي الطريق نفسه، تجاور «صيدلية الأسير» المقفلة «محل شربل» لبيع الكحول المفتوح. يستبدل الأهالي عبارتي «عبرا المسيحية» و«عبرا السنية» بوصفَي «عبرا القديمة» للدلالة على الأولى و«عبرا الجديدة» للدلالة على الثانية. القديمة التي كانت من أوائل قرى شرق صيدا المهجرة التي بدأت منذ مطلع التسعينيات بالعودة، لا تزال على قدمها بالطريق القروية التي تشق بستان زيتون ضخماً لتصل إليها، تحيط بجانبي الطريق ورود تُشعر زائرها بأنه أبعد ما يكون عمّا سمعه عن عبرا. لا يكاد يطل المنزل الأول حتى يقرأ لافتة صغيرة على بابه تقول «إستيتيك جيهان». لكن جيهان كغالبية أهالي القرية ليست في منزلها اليوم. وبحثاً عن سوط يسلخون به الأسير، يتوقف بعض أهالي القرية عند حادثتين أو ثلاثة سجل فيهما احتكاك مباشر بين الوافدين إلى خراج القرية وأهالي القرية. ولا يتردد البعض في تضخيم بعض الحوادث قبل أن يقاطعهم مسن «يكزدر» كلبه، قائلاً إن الأسير كان ذكياً في استيعاب جيرانه الذين نجحوا باستيعابه أيضاً.
أخطأ أحمد الأسير أخيراً على نحو تعجز بعض العقول غير المؤامراتية حتى عن تصديقه، وخصوصاً في أوساط جيرانه الذين خبروا دهاءه. وكان خطأه قاتلاً. لكن الرجل في نظر جيرانه وحسابات خصومه لم يكن «كاراكوزاً» وحسب. أثّر أحمد الأسير في كثيرين، وبات لظاهرته شواهد في مقابر المدينة أكثر مما لدى كثير من تياراتها السياسية وأحزابها.

السابق
من معروف سعد إلى أحمد الأسير
التالي
اخيرا اعترفتم سورية ليست ليبيا