خطأ الأسير.. القاتل

الشيخ أحمد الأسير ضحية من ضحايا «حزب الله»، وقوّته تكمن باستمراره تلك الضحية، وخروجه عن هذا الدور يؤدّي إلى نهايته السياسية.

عرفت الحالة التي مثّلها الأسير تفهّماً لدى معظم اللبنانيين على قاعدة أنّ سلوك "حزب الله" برّر ويبرّر نشوء هذه الحالات التي تريد مساواتها بالحزب لجهة حمل السلاح، ورفض المغبونية، وحقّها في الدفاع عن نفسها في حال حاول تكرار مشهد 7 أيّار 2008.

ونجحت الطائفة السنّية في طرابلس وعكّار وغيرهما بتجاوز أفخاخ عدّة نُصبت لها لجرّها إلى الاصطدام بالجيش اللبناني، هذا الاصطدام الذي يريده "حزب الله" ويسعى إليه بغية إعادة تدجين هذه الطائفة التي نجحت في استعادة زخمها ومعنوياتها وعنفوانها مع الثورة السورية، كما بتشكيلها حاضنةً فعلية لهذه الثورة، وبالتالي هذا الوضع المستجدّ للطائفة دفع الحزب إلى استبعاد خيار المواجهة المباشرة معها، والإيعاز إلى محازبيه ومناصريه بضرورة ضبط النفس إلى أقصى الحدود، لأنّ أيّ مواجهة من هذا النوع كلفتها باهظة جدّاً عليه، وهذا ما دفع أيضاً السيّد حسن نصرالله في إطلالته الأخيرة إلى التركيز على البعد السياسي للصراع السوري في ظلّ خشيته الظاهرة من ارتفاع منسوب الاحتقان المذهبي.

فاصطدام الأسير مع الجيش شكّل بهذا المعنى أكبر خدمة للحزب الذي يريد رأس الأسير، ولكن ليس عن طريقه أو بيده، وبالتالي نجح الحزب في صيدا حيث فشل في طرابلس وعكّار وبيروت، فيما كان الأولى بإمام مسجد بلال بن رباح أن يتجنّب هذا الاصطدام مهما كان الثمن، ولا بل حتى لو أخطأ الجيش بحقّه كان عليه أن يستثمر هذا الخطأ بزيادة التفاف الطائفة حوله، لا أن ينجرّ إلى مواجهة لا أحد على استعداد داخليّاً وخارجيّاً لتوفير الغطاء له. ولا بل إنّ تعاونه مع الجيش يصبّ في مصلحته، وتسليمه لبعض الأفراد من تنظيمه ليس آخر المطاف، لأنّ مواجهته هي مع الحزب لا الجيش.

وكان على الأسير أن يدرك بأنّ الصورة التي ظهرَت فيها عناصره المسلّحة وهي تمرّ أمام ملّالة للجيش هي سيف ذو حدّين، حيث أظهرت من جهة بأنّ الجيش على مسافة واحدة منه ومن "حزب الله"، وبأنّه على غير استعداد لقمع مسلّحيه طالما إنّه في غير وارد قمع مسلّحي الحزب، ولكنّها أحرجت من جهة أخرى المؤسّسة العسكرية التي أعادت بهذه الصورة إحياء مشاهد 7 أيار، وبالتالي حيال هذا الواقع كان على الأسير الانحناء لمساعدة الجيش على استعادة هيبته بخطوة شكلية ولكن ضروريّة، وبكلفة معنوية لا تقارَن بالكارثة التي أدخل نفسه فيها.

فحتى "حزب الله" عندما قتل أحد عناصره الشهيد سامر حنّا قام بتسليم القاتل، وعمل المستحيل لاحقاً لإعادة إخراجه، وبالتالي كان على الأسير أن يحذو حذو الحزب مع فارق أنّ مسلّحيه، قبل الصدام الأخير، لم يشتبكوا مع الجيش، ما يجعل إخراجهم مسألة بديهية وطبيعية.

إنّ كلّ مشروعية الأسير قائمة على عامل واحد وهو أنّه "يحقّ له ما يحقّ للحزب". ومن هنا كان عليه أن يعزّز مشروعيته بمزيد من الالتصاق بالدولة تحت هذا العنوان، لا الاصطدام معها، وإعطاء الحزب صكّ براءة بإعادة تلميع صورته.

فما قام به الأسير يمكن تبريره، إلّا أنّه لا يمكن الدفاع عنه. وقد صحّ المثل القائل "غلطة الشاطر بألف"، فخطأ إمام مسجد بلال بن راباح قاتل، ولكن بمعزل عمّا قد تشهده هذه القضية من تطوّرات أمنية وعسكرية وقضائية، إلّا أنّ الخلاصات الثلاث التي يمكن الخروج بها تتلخّص بالآتي:

أوّلاً، إنتهاء الظاهرة الأسيرية سياسيّاً.

ثانياً، تخلّص "حزب الله" من الأسير الذي تحوّل أخيراً إلى عبء ومصدر إزعاج كبير.

ثالثاً، إظهار تيار "المستقبل" أنّ أسلوب المواجهة الذي يتبعه وقوى 14 آذار هو الأنجح، كما أنّه الكفيل وحده تجنيب لبنان الحرب واستعادة الدولة توازنها ولو بعد حين.

وإذا كان الاصطدام بالجيش خطأً، فإنّ عدم قراءة الخطوط الحمر الدولية والعربية حول النأي بلبنان خطيئة. فالأسير لم يكتفِ بكشف تطوّر حجم قوّته العسكرية، إنّما أعطى إشارات تُظهر استعداده خوض مواجهات تعيد الحرب الأهلية من بوّابة صيدا، وبما أنّ هذه الحرب ممنوعة دوليّاً وعربيّاً، دفعَ الأسير ثمن هذه الإشارات، إلّا أنّ السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا أحسن الأسير سابقاً قراءة المعطيات التي دفعته إلى الانحناء للخروج من الشارع، فيما أخفق هذه المرّة بقراءة هذه المعطيات التي كانت تتطلّب مجرّد انحناءة بسيطة؟

السابق
“فيسبوك” يغلق صفحة “محبي الأسير”
التالي
او لن تكون لأحد