ليست قوة "حزب الله" في سلاحه فحسب، إنما أيضاً بالدوائر الخمس التي نسجها حول نفسه؛ دوائر هي مثل طبقات من الدروع تحميه من غدر الحقائق والترهيب الميدانيَين. والأرجح ان هذه الدوائر تشكلت مع الوقت، ومع الخصوصية اللبنانية؛ وقد أتاح له الإثنان، أي الوقت والخصوصية، تكييف خطابه ونحت لغته، بحيث يصيب أبعد من إعلانه الأول، لحظة تأسيسه، منذ ثلاثة عقود، والذي لم يَعِدنا فيه بأقل من إقامة الجمهورية الاسلامية في ديارنا، تيمّنا بتلك التي أقامها أولياء في ايران في ديارهم.
والحلقة الأولى، أقرب الدروع الى "حزب الله"، هي تلك التي تتماهى تماماً مع ذلك البيان التأسيسي الأول، المبشّر بالجمهورية الاسلامية. هي الحلقة المقدسة، التي تستمد كل شخوصها ومرويتها وتعبئتها من نصوص الدين ومن أحداث أرفقت بها. تبدأ بموقعة كربلاء ولا تنتهي في مقام السيدة زينب في دمشق. انها الحلقة التي يسبح الدائرون فيها ليل نهار بالموقعة الكربلائية، يفنّدون إشاراتها، ويتوقعون مآلها اليوم، بعد ألف وخمس مئة عام على حدوثها. في هذه الحلقة بُنيت الحاضنة الأصولية الدينية.
الحلقة الثانية الأوسع قليلا، ذات الحدود المشتركة مع الأولى، تضم أبناء المذهب غير المصدقين بالمقدس، ولكنهم شديدو التجاوب مع العصبية المنبعثة منها. هم عصبيون بالمعنى الخلدوني؛ ليس الدين عندهم المهم. إنما مصالح أبناء المذهب، عزوتهم، تضامنهم، ثأراً من استضعاف تاريخي. و"الحزب"، بحسب ما هو مطلوب منهم ان يتصوروا، سوف يحملهم الى هذه الجنة.
الحلقة الثالثة، بطبيعتها، مبتعدة عن الأوليين، وإن تقاطعت مع الثانية أحيانا، بغفلة من صاحبها أو بوعي منه. انها الحلقة اليسارية الحداثية، التقليدية منها، أو الفوضوية، المنبثقة منها. في هذه الحلقة تجد من أعطى أولويته الوجودية، لـ"محاربة الامبريالية والصهيونية". يعثر عليها، تلك الأولوية، في "انتصارات" "حزب الله" ضد اسرائيل وفي "مواجهته للمشروع الأميركي". ولكن في هذه الحلقة أيضا محبّون للحياة، للخمر والسهر والتنزّه والعلاقات بين الجنسين. بين الفينة والأخرى إعترضهم الحزب، أو "جمهوره" لا فرق… ولكن من دون مبالغة. لذلك فهم أكثر من يتحمّس لهدف "الحزب" الجديد، أي التكفيريين؛ وقد وجدوا لأنفسهم فيه، أخيراً، دوراً "مشرّفاً" في جوقة الواقفين مع بشار الأسد.
الحلقة الرابعة هي من إرث القوميين العرب الأوئل، الذين صاغوا عروبتهم على قياس تبنّيهم لأولوية تحرير فلسطين. هم من طالهم أكثر من غيرهم "الكارت" الفلسطيني، من خفقت قلوبهم لنظرية "السلاح حتى تحرير فلسطين"؛ هم من يملؤون الآن الفراغات التي يتزايد اتساعها، والتي صنعها شعار آخر من شعارات "الحزب" في حربه الى جانب بشار الأسد. شعار ان ما تتعرض له سوريا انما هو "مؤامرة صهيونية" لإضعاف موقع الصمود العربي الأخير الواقف بوجهها.
الحلقة الخامسة، هي الأبعد عن الأربع الاوائل. انها الأقليات الدينية المنجذبة لنظرية "حمايتها"؛ هي نظرية قديمة نبشها الحزب من خزانة التاريخ وأعاد تفعيلها بما "يغطي" تأييد الأقليات الدينية لحربه الى جانب الأسد. وما عزّز توسيع هذه الحلقة هو ذيوع الأكثروية الأصولية، الجهادية منها والسلفية والاخوانية…
هذه الحلقات المتنافرة تمكّنت من البقاء على تلاحمها، على الصمود… لا تخلخلها وقائع، ولا تفكفكها تناقضات. مع ان الناظر الى هذا التنافر لا يمكنه، خارج الحماسة أو الشغف السياسيَين، إلا أن يتساءل عن سرّ قناعة المندمجين بتلابيب هذه الحلقات. أهي عبقرية "حزب الله" وحدها؟ أم عبقرية التاريخ والجغرافية؟ أم موهبتنا العربية الخارقة في مراكمة الأزمان فوق بعضها، حماية لـ"ثوابت"، هي أعزّ من أرواحنا؟
حسنا، الآن… هل تبقى هذه الحلقات على تراصّها، بعد إعلان "الحزب" الصريح عن قتاله إلى جانب النظام السوري؟

