في ظل التكتّم الشديد الذي يطبع الاستشارات غير المعلنة للرئيس المكلّف تمام سلام، يبقى موضوع التشكيلة الحكومية محصوراً في المحيطين به وبعض الذين تشاور معهم بما لا يتعدّى عددهم أصابع اليد الواحدة، بدءاًَ من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان. وقد يكون بين هؤلاء رئيس "المستقبل" سعد الحريري.
لكن إذا تأكّدت المعلومات التي يتم تداولها في الأروقة السياسية وبين كبار المسؤولين والمعنيين بالتشكيلة، فإن الأمور يرجّح أن تذهب نحو أزمة جدّية مع كثير من الأطراف السياسية وبالأخص مع قوى الثامن من آذار، وخصوصاً إذا كان الحديث عن توجّه جدّي لدى الرئيس سلام لفرض حكومة أمر واقع.
لا اتصالات مع 8 آذار
وفي هذا السياق، أكّد مصدر وزاري بارز في 8 آذار لـ"البناء" مساء، ألاّ اتصال مع أي من أركان هذا الفريق حتى اللّحظة (ليل أمس)، إلاّ أن ما توافر لديه من معلومات تؤشّر إلى أن مثل هذه الاتصالات ستبدأ في وقت قريب.
وأبدى المصدر صورة تشاؤمية حيال مسار اتصالات وتسريبات التشكيلة الحكومية تركيبة وهوية. وقال: "بداية ليس هناك أي أمر غير سياسي في لبنان، فكيف يمكن أن تكون الحكومة غير سياسية، وكيف أُطلقت هذه التسميات والتوصيفات؟ وكيف تكون هناك حكومة انتخابات، وإلى الان لا يوجد شيء اسمه انتخابات ولا حتى أي اتفاق على قانون انتخابي"؟
واستطرد المصدر ليقول: "إذا سلّمنا جدلاً بما يُطلق عليها حكومة انتخابات، فمن يدير شؤون البلاد، لا سيما وأن مجلس الوزراء مجتمعاً هو المسؤول الأول والأخير عن مصيرها، ومن يهتم عندها بالقضايا الأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي يرزح تحت عبئها لبنان، وخصوصاً في هذه الظروف الحساسة والمصيرية التي تمر بها كل المنطقة من حولنا، وتحديداً ما يحصل في سورية؟".
وإذ قارب المصدر عينه توصيف ما يُطلق من تسميات على مثل هكذا حكومات بـ"الخدعة السياسية"، أعرب عن خشيته من أن تكون هناك خلفيات سياسية وراء ذلك أبرزها وأهمّها إبعاد بعض الجهات والأحزاب السياسية عن مثل هذه الحكومة، وهو ما لا نرضى به على الإطلاق.
وماذا لو ذهبت الأمور إلى خواتيمها في مثل هكذا طروحات؟ قال المصدر الوزاري في 8 آذار: "نحن من جهتنا سنتداعى للاجتماع بين كل مكونات فريقنا للتداول في كل هذه المستجدات، وسننتظر مسار ومصير الاتصالات مع فريق الحكم علّنا نصل إلى ما يجعلهم يعيدون بعض حساباتهم، وعندها لكل حادث حديث".
تشكيلات وأرقام
وفي المعلومات المتداولة أيضاً، أن لدى سلام تشكيلة غير موسّعة تضم ما بين 12 إلى 16 وزيراً تحت شعار "حكومة غير المرشّحين للانتخابات"، لكنها تضم أسماء ينتمون إلى قوى "14 آذار" مباشرة أو بالمواربة بينما يتم استبعاد قوى 8 آذار عنها.
وفي المعطيات التي توافرت لبعض الجهات المعنية، أن الرئيس المكلّف لا يريد الدخول في عملية استشارات أو مشاورات غير معلنة مع القوى السياسية، وتحديداً مع رؤساء الكتل النيابية لأن مثل هذا التوجّه سيؤدّي ـ وفق التسريبات من المقرّبين إلى سلام ـ إلى نوع من المحاصصة وفتح بازار التوزير والأحجام، كما أن المعلومات تضيف أن سلام قد يعمد إلى رفع تشكيلته الجاهزة إلى رئيس الجمهورية خلال بضعة أيام لا تتعدى منتصف الأسبوع المقبل حتى يضع الجميع أمام أمر واقع، ويقطع الطريق على "بازار" التشكيل، فهو يعتقد أن ما كان يُتّبع في هذا السياق هو خطأ كبير يجب الانتهاء منه.
العلاقة بين الحكومة وقانون الانتخاب
وإذا كان الاتجاه لدى الرئيس سلام لتشكيل "حكومة انتخابات"، فإن تساؤلات كثيرة تُطرح حول الضبابية التي تسيطر على ملف الانتخابات بكامله بدءاً من القانون إلى تاريخ إجرائها، وتالياً، فإن الحديث عن "حكومة انتخابات" لا ينطبق على واقع الأمور، طالما أن لا مؤشرات جدية حول إمكان التوافق على قانون جديد للانتخابات، قبل انتهاء فترة تعليق مهل قانون الستين في 19 أيار المقبل، في وقت يواصل البعض داخل الحكم وخارجه من رئيس الجمهورية إلى الحزب الاشتراكي وانتهاء بـ"تيار المستقبل" اللعب على تمرير الوقت، لمنع التوصل إلى صيغة عادلة لقانون جديد للانتخابات، وصولاً إلى وضع الجميع أمام أمر واقع يتمثل بإجراء الانتخابات على أساس الستين. علماً أن مشاركة "تيار المستقبل" في التصويت على تعليق قانون المهل لم يكن بسبب وجود رغبة بالاتفاق على قانون جديد، بل محاولة لإرضاء حلفائه في "القوات" وحزب الكتائب حتى لا يزيد الشرخ معهما.
ولذلك تؤكّد مصادر سياسية أن هوية الحكومة يجب أن تقترن بما سيتقرّر على صعيد ملف الانتخابات، وأنه إذا كان سلام يريد أن يحصر حكومته بحكومة انتخابات، فعليه أن يطلب من الفرقاء السياسيين الاتفاق على قانون جديد لينطلق بعد ذلك إلى تشكيل الحكومة. وإما الذهاب إلى تشكيل حكومة أمر واقع في ظل أزمة قانون الانتخابات، فهذا يعني دفع البلاد إلى أزمة كبرى منطلقها السعي لإجراء الانتخابات على أساس قانون الستين.
تدارك التسريبات
لكن مصادر أخرى متابعة، قالت إن الاتصالات والمشاورات تكثّفت في الساعات القليلة الماضية لتدارك التسريبات حول تشكيلات حكومية، القصد منها جسّ النبض وإطلاق "بالونات اختبار" وخصوصاً أنها جاءت لتسبق هذه المشاورات الجدّية، التي سُجّلت بعد ظهر أمس ومساءً، في أجواء قالت عنها مصادر مطلعة بأنها إيجابية ولا تعكس تلك التسريبات.
وأضافت المصادر لـ"البناء" أن هذه المشاورات ستستمر في الساعات المقبلة بشكل مكثّف، مشيرة إلى أن رئيس الحكومة المكلّف يتواصل مع الجميع في سعي لتشكيل الحكومة في أقرب وقت ممكن، ولم تستبعد المصادر الولادة في غضون أيام قليلة، مشيرة إلى أن الحكومة ستكون متوسطة أي أكثر من 14 وأقل من 24 وزيراً. وأشارت أيضاً إلى أن معظم الأسماء التي طُرحت في وسائل الإعلام غير دقيقة.
ولفتت المصادر إلى أن هناك تواصلاً مع القوى المسيحية، بحيث شكّلت الأسماء التي تسرّبت "نقزة" لدى هذه الأوساط.
سليمان يوقّع قانون تعليق المُهل
إلى ذلك، وقّع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان عصر أمس مشروع قانون تعليق المهل الانتخابية الواردة في قانون الستين، ما يعني تعليق عمليات الترشيح للانتخابات التي كانت تتم عبر وزارة الداخلية، مع العلم أن أوساط الوزارة كانت قد تحدثت أمس عن وصول عدد المرشّحين إلى مئة وخمسة مرشحين.
ونقل موقع "النشرة" الإلكتروني أن مجموعات من العصابات المسلّحة هربت من الداخل السوري باتجاه الأراضي اللبنانية. وأكّدت ذلك معلومات لـ"قناة الميادين" التي تحدّثت عن اقتراب القوات السورية من منطقة القصير، وقالت إن اشتباكات عنيفة وقعت في محيط قرية عرجون التي تُعتبر معقلاً للمسلّحين.
وعمليات نوعيّة
إلى ذلك أوقعت وحدات من القوات السورية أعداداً من الإرهابيين ما بين قتيل وجريح في سلسلة عمليات نوعية ضد تجمعاتهم في منطقة النبك وجوبر ومزارع الريحان والعتيبة في ريف دمشق في الغوطة الشرقية.
كما استهدفت تجمعات للإرهابيين في شارع الكواكبي والبساتين والخراب في الوعر في حمص وأوقعت في صفوفهم قتلى وجرحى، إضافة إلى ريف إدلب ومعرّة النعمان حيث أفيد عن مقتل عدد من المسلّحين.
كذلك اشتبكت الجهات السورية المختصة أمس مع مجموعة إرهابية مسلّحة قرب جامع السرجاوي في حي الجراجمة في مدينة حماه، وقضت على عدد من أفرادها وصادرت أسلحتهم.
مرتزقة من بلجيكا!
إلى ذلك، أفادت قناة تلفزيونية بلجيكية أن "أكثر من 200 متطرّف من بلجيكا يشاركون في القتال مع العصابات المسلّحة، وذكرت أن بعض المقاتلين من القاصرين". وأوضحت أن 20 من هؤلاء لقوا مصرعهم في سورية.
وقد أقرّ دونيس دوكيرم عضو البرلمان البلجيكي بأن بلاده أصبحت مركزاً حيوياً لتجنيد الشبّان وإرسالهم إلى سورية للقتال إلى جانب المجموعات الإرهابية المسلّحة، مشيراً إلى وجود جهات متطرّفة في بلجيكا تقوم بمهمّة التجنيد والإرسال الأمر الذي وصفه بأنه "سيشكّل لاحقاً خطراً على بلجيكا عند عودتهم من القتال".
خطط أميركية للتهويل!
وفي سياق متصل، كشفت مصادر عسكرية مطلعة، ان "الولايات المتحدة تعمل على تحديث خططها العسكرية لتشمل تدخلاً مباشراً في سورية يشمل توجيه ضربات عسكرية". وقالت المصادر لشبكة "سي إن إن" الأميركية ان "ضباط القيادة الأميركية الوسطى وقيادة الأركان المشتركة في وزارة الدفاع "البنتاغون"، عملوا بضغط من النواب الديمقراطيين والجمهوريين على تحديث خطط عسكرية تتضمن تدخلاً مباشراً في سورية، تتنوّع أشكاله بين توفير المساعدات الإنسانية وتوجيه الضربات العسكرية المباشرة".
وعلق مسؤول كبير في الإدارة الأميركية طلب عدم كشف اسمه قائلاً إن "الفريق الأمني في البيت الأبيض على علم بالخطط الجديدة، ولكنه شدد على انها لا تختلف كثيراً عن تلك التي سبق للرئاسة الأميركية أن درستها، مضيفاً "نقول منذ فترة طويلة إننا ندرس كل الخيارات الممكنة من أجل إنهاء العنف وتسريع الانتقال السياسي في سورية".
وأكدت مصادر دبلوماسية أن هذه المعلومات، بغضّ النظر عن صحّتها، هي مجرّد محاولات تهويل لرفع معنويات العصابات المسلّحة، في ظل حالة الانهيار التي تتعرّض له.
لافروف: التشكيك بالشرعية
في سورية تُحبط الحلول
في المواقف، أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن المحاولات الخارجية للتشكيك بشرعية السلطات السورية تقلل من فرص الحل السلمي للأزمة في سورية.
وقال لافروف عقب مباحثاته مع نظيره السويسرى ديديه بوركهالتر في مدينة نيوشاتل في سويسرا "إننا نشاهد محاولات لإحباط أى فرصة للتوصل إلى تسوية سلمية في سورية، كما أننا نرى محاولات فرض المنظمات الدولية الحلول التي هي غير قانونية وتهدف إلى نزع الشرعية من القيادة السورية، وهي لن تؤدي إلى أى شيء مفيد"، محذرا من أن مثل هذه المحاولات قد تساعد مختلف المجموعات المتطرفة في الوصول إلى السلطة.

