طرابلس على حالها. لا جديد يذكر في الحديث عنها: معارك، رصاص، إنيرغا، إهمال… حتى المذنبون بحقها معروفون بالأسماء والمسؤوليات. يدلّ عليهم الجميع بأصابع اتهامهم. «الشارع الشبابي» في المدينة يغلي نقمة عليهم. نقمة تضع نفسها، مبدئياً، في أطر محددة: كلام المجالس، اعتصامات عقيمة، وتسلية على أنقاض الوجع.
تتعمّد أسيل مرعب (23 عاماً) وهي من سكان الزاهرية، ألا تسمع الأخبار، حتى في «عزّ دين» اشتعال الجبهة. ببساطة لا تريد أن تعرف ماذا يجري: «طقّت روحنا». لا تؤثّر الأحداث في مسار حياتها اليومية، ترتاد المقاهي أو تزور أصحاباً لها. مع أن الزاهرية متاخمة لخطوط التماس، تضع يارا، شقيقة أسيل الصغرى، السماعات في أذنيها وتختار الموسيقى بديلاً عن دوي القذائف والقنابل.
تتفق أسيل مع مايا عبس (28 عاماً)، من سكان شارع عزمي، على عدم الجدوى من المشاركة في الاعتصامات التي تنفّذ ضد الاقتتال في طرابلس. وإذ كانت الأولى تجد أن «صوتها لن يصل»، فلمايا تجربتها الخاصة: «شاركت سابقاً في اعتصام طرابلس خالية من السلاح، ولم يتغيّر شيء».
مركز عمل نور عيسى (23 عاماً)، من القاطنين في شارع الثقافة، نقطة ساخنة. المصرف الكائن في ساحة عبد الحميد كرامي يتابع تسيير شؤون عملائه: «لا يتوقف هاتفي عن الرنين، من الطبيعي أن يقلق والديّ في هكذا ظروف». تسكت نور قليلاً، لتخلص بتهكّم: «بالنهاية تعوّدنا ما بقا يأثّر فينا شي».
لعماد وأحمد ويوسف طريقتهم الخاصة بتمضية «عطلة المعارك». يتواعدون في أحد مقاهي الضم والفرز، هناك يجمعهم «نفس الأرجيلة» وأصوات مقاتلي التبانة وجبل محسن.
توفّر الهواتف الذكية خدمة جلّة لشباب طرابلس «الرايق»، إذ تقدّم لهم تطبيقات تتيح الدخول على خط تواصل الأجهزة العسكرية للمشتبكين. قد يكتفون بالاستماع والضحك على الشتائم التي يتبادلها الطرفان، وقد يشمّرون عن سواعدهم الكلامية ويلقون التحية عليهم أو يساهموا في استفزاز أحدهم. والهدف؟ التسلية فحسب.
«شو المطلوب ضل معصّب ومتوتر وعم إسمع أخبار متل أهلي بالبيت؟». هكذا يرفض يوسف (18 عاماً)، بأسلوبه الخاص، الواقع الذي ترزح تحته مدينته. يهرب منه إلى الأمام، عبر مواجهته بالاستهزاء به.
يبدو عماد حاقداً جداً على من يكتمون أنفاس طرابلس بـ«بواريدهم»، وبعد أن يصفهم «بما يستحقون» من سباب، يركّز نظرته ليقول بثقة: «من حقنا أن نتسلّى بهم تماماً كما يفعلون بنا… جماعة حبحبجية ماسكين البلد!».
على الخط الموازي لجلسة الشباب الثلاثة، مقصد دائم لاعتصامات المجتمع المدني الطرابلسي. سرايا المدينة تشهد على العديد من النشاطات التي نظمت هناك. في كثير من الحالات يصعب جمع العدد المطلوب. نسبة المشاركين أدنى بكثير ممن «يعزمون» عليها عبر «فايسبوك».
ينتقد جمال (26 عاماً) «همة» الشباب الطرابلسي ومنظمي هذه الحـملات: «النشاطات تنفّذ بعد مضي أيام على اشتعال المعارك، إضافة إلى سوء التنظيم، وافتقارها لابتكار أساليب توصل الصوت الرافض لما يحدث».
مع كل هذا «الوضوح» في الرؤية وتحديد المسؤوليات، تعيش طرابلس الشابة شرخاً بين النوايا من جهة، وأخذ المبادرة الجادة والحاسمة وتطبيقها من جهة أخرى. الشباب أنفسهم يصبحون عاجزين عندما تندلع الاشتباكات. لسان انتقاداتهم لا يرى أبعد من أنف الكلام.

