من يمنع ومن يمتنع عن الفتنة

ليس أهم من الإجماع التقليدي على استنكار الاعتداءات، وآخرها على أربعة مشايخ، سوى العمل الجماعي الاستثنائي للخروج من المناخ المسموم الذي يكاد يقتل لبنان. فالمشهد العام مخيف بأكثر من الصور المتكررة التي نستنكرها ونتصور أنها حوادث معزولة. والفتنة التي يحذر منها الجميع تبدو في الخطاب كأنها سياسة يتهم كل طرف الطرف الآخر بالسعي للذهاب اليها. لا بل كأنها مصنوعة وممنوعة في آن. مصنوعة بقوة اللعبة في الصراع على لبنان وفيه ضمن الصراع على الشرق الاوسط وفيه. وممنوعة بقوة الحاجة الحالية الى خدمات الاستقرار في لبنان لمعظم اللاعبين، بحيث نحتار بين من يدفع نحوها ومن يمنعها ومن يمتنع عنها.

ذلك ان حديث المخاطر الكبيرة في لبنان وعليه جراء ما يدور في المنطقة وخصوصاً في حرب سوريا، يرافقه مظهر الاطمئنان لدى الزعامات المندفعة في حروبها الصغيرة. وأقل ما نسمعه يومياً هو اننا نواجه مؤامرة خطيرة يحاول كل طرف تصويرها ورسم السيناريوهات المختلفة لها. لكن ما يحدث هو الذهاب اليها بعيون مفتوحة بدل العمل لوقفها. واذا كنّا عاجزين عن الحد الأدنى، وهو منع الفتنة، فكيف نكون قادرين على الحد الأقصى، وهو بناء مشروع الدولة؟ واذا كانت الظروف صعبة حالياً بالنسبة الى الحل الطبيعي الوحيد الذي هو الدولة المدنية، فلما لا نستسهل الانحدار نحو الامارات المذهبية المتصارعة؟
لعل ما ينطبق على كثيرين في التركيبة السياسية هو المثل اليمني القائل: يرعى مع الرعاة ويأكل مع الذئاب. فالحكمة يمانية، كما قيل قديماً. وما يفتقده لبنان اليوم، إلاّ لدى قلّة، هو الحكم والحكمة معاً. أليس الخلاف المستعصي على قانون انتخاب من دون خوف من دفع البلد الى الفراغ هو اعتداء على لبنان وازدراء بالناخبين من كل الطوائف؟ أليس في بعض الكلام على المؤامرة كثير من التخلي عن المسؤولية ان لم يكن من الرهان على المؤامرة وتوظيفها في اللعبة المحلية المرتبطة باللعبة الخارجية؟
شيء ما فاسد في مملكة الدانيمارك، كما قال شكسبير على لسان هاملت في المسرحية الشهيرة. وأشياء كثيرة فاسدة وعفنة في لبنان المضروب بالفلتان الأمني وقطع الطرق وارتفاع منسوب العصبيات وتعميق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في أكبر أزمة وطنية. فلا نحن حتى على مستوى ادارة الأزمة في السلطة والنظام. ولا البديل من سياسة التخطيط التي تخلينا عنها من زمان سوى سياسة التخبّط في الأزمات وسط التحكم بدل الحكم، والعناد بدل الاستقالة.
وكل الأثقال على الجيش. وكل الاعتماد في اللعب بالفتنة على القرار الخارجي الكبير المانع للفتنة.

السابق
حقبةُ القرى الحدودية الشمالية
التالي
الزوّار الأميركيّون: الانتخابات أولاً