"أجيال تسلّم أجيال". هكذا عنون المنظمون شعار المرحلة التأسيسية لحزب "القوات اللبنانية". الجيل العسكري في القوات يسلم الدفة إلى جيلٍ مدني. ومن كان عسكرياً، فسيضع البزة الكاكية جانباً.. إلى أن تحين الضرورة ربما. فالمرحلة الآن هي لقديسي الشرق وليس لشياطينه. "حمل السلاح لم يكن يوماً خياراً، بل فرض فرضاً على القوات، من الغريب الفلسطيني ومن ثم السوري، ومن تحالفوا مع الغريب أيضاً ضد اللبناني"، يشرح بعض شباب الحزب "الجديد".
القوات أصبحت حزباً ولم تعد ميليشيا. أعلن عن المرحلة التأسيسية في 22 شباط الجاري وفتح باب الانتساب في احتفالٍ خاص غير جماهيري، أعلن فيه عن النظام الداخلي لـ"مؤسسة حزبية ديموقراطية ذات رؤية مستقبلية".
وتخللت الحفل مداخلات وشهادات لأجيال قديمة وجديدة في الحزب، أبرز ما فيها أن "هذه الخطوة ستؤمن استمرارية "القوات" للسنوات المئة المقبلة": "أسسها بشير، ورسخها الحكيم"، "ستؤمن مأسسة القوات وإتاحة محاسبة القيادات التي ستخضع لعملية ديموقراطية في انتخابها".
الزعيم الحالي سمير جعجع، هو المرشح الأول لاستلام منصب رئيس الحزب. يصعب تخيل قواتي غير جعجع لاستلام المنصب. النظام الداخلي يؤمن له الاستمرارية، فالرئيس ينتخب لمدة 4 سنوات قابلة للتجديد، دون ذكر سقف لعدد الولايات. إحدى المقالات المنشورة على موقع "القوات اللبنانية" احتفاء بهذه الخطوة، طالبت اللبنانيين جميعاً بالفرح لتأسيس الحزب. يقول المقال: "هو ليس من رحم العائلة أو الإقطاع أو المنطقة أو المذهب، بل عابر للمناطق والعائلات، إذا كان اليوم (الحزب) عابراً للمذاهب المسيحية فقط، ففي نيّة رئيسه وقيادييه وتصميمهم أن يكون في المستقبل عابراً لجميع الطوائف والمذاهب".
أصول جعجع المتواضعة، خلافاً لمؤسس القوات بشير جميل، تؤكد ربما الشقّ الأول من "وجوب الفرح". يمكن هنا استحضار أحد شعارات إطلاق الحزب: "من بشير التأسيس إلى سمير المؤسسة"، للتدليل على مفارقة في تغيّر "القوات اللبنانية"، منذ انطلاقتها على يد أحد أفراد العائلات الحاكمة في لبنان (ولو كان مشروعه تمردياً على العقلية التقليدية التي حكمت حزب "الكتائب") إلى مأسستها على يد فرد ينتمي إلى أصول فقيرة. إلا أن الإصرار على ربط المرحلتين بالرموز، ينذر باحتمال عدم تغير العقلية، رغم اختلاف الأشخاص.
أهداف الحزب العامة تفتح مجالاً لإمكانية التغيير مع المحافظة على الخط العام، "كالعمل على صيانة سيادة واستقلال لبنان وتثبيت دوره وتفاعله مع دول العالم، وترسيخ الديموقراطية التي هي نظام قائم على المشاركة والمساواة بين أبناء الوطن الواحد، ضمن إطار دولة القانون والمؤسسات واحترام الحرّيات العامّة المنصوص عليها في الدستور وفي شرعة حقوق الإنسان والمواثيق الدولية، ودعم الشباب وتعزيز دورهم في المجتمع وتنشيط الحياة السياسية".
العمومية في الأهداف يشرحها مسؤول قطاع الشباب في الحزب نديم يزبك، معتبراً أن الهدف من وراء ذلك هو عدم التزام الحزب بأيديولوجية صارمة. والأهداف تمثّل الخطوط العريضة للحزب ومبادئه، "بالنهاية نحن ناس براغماتيين ومش أيديولوجيين". ويضيف أن ذلك سيساهم في تقليص المسافة مع الخصوم في السياسة دون إقصاء أحد، الأمر الذي قد يحصل في حال كان للحزب أيديولوجية ثابتة، كـ"حزب الله" و"الحزب الشيوعي" على سبيل المثال.
الالتزام بالعموميات، في المقابل، يجعل من هذا النظام الداخلي صالحاً لكل الأحزاب اللبنانية، "غير العقائدية" طبعاً. حزب "المستقبل" إبان تأسيسه استخدم العبارات نفسها، وكذلك "المردة" و"الوطني الحرّ". التشابه بينها، يطرح مجدداً مسألة محاولة "القوات" تأكيد تقديم نفسها على أنها تجربة فريدة تختلف عن تجارب الأحزاب السياسية التي تعتمد الوراثة، رغم نظامها الداخلي الديموقراطي. ليس لسمير جعجع ابنٌ يخلفه، أو اسم يتمّ تداوله في عائلة الحكيم لاستكمال المسيرة. حركة أمل أيضاً، برئيسها نبيه بري، لا تقدم وريثاً "برّياً" لاستلام الأمانة، حتى الآن على الأقل.
رغم كل ذلك، يقدّم النظام الداخلي لـ"القوات" عددا من الإيجابيات، أبرزها التأكيد على خروج الحزب عن صورته النمطية كحزب مسيحي صافٍ، وهي الصورة التي صبغته طوال فترة وجوده. "يحق لكل لبناني مقيم أو غير مقيم في لبنان، متجنّس أو متحدر من أصل لبناني أو مغترب، ولغير اللبناني، التقدم خطياً بطلب الانتساب إلى الحزب، مع الأخذ بعين الاعتبار نسبة غير اللبنانيين المسموح انتسابهم للحزب وفقاً للقوانين والأنظمة اللبنانية المرعية الإجراء". هذه النسبة يجب ألا تتعدى العشرين في المئة، وذلك للسماح للمحرومين من الجنسية اللبنانية، كمكتومي القيد أو أبناء الأم اللبنانية المتزوجة من أجنبي، بالانتساب إلى الحزب. أما عبارة المتحدرين من أصول لبنانية فتدل على المغتربين من الجيل الثاني، الذين قد يهمهم الانتساب إلى القوات، كما يشرح يزبك.
عدم الإشارة إلى الطائفة والدخول في نِسبها، هو للتأكيد مجدداً أن الجميع مرحبٌ به في حزب "القوات"، شرط أن يلتزم بمبادئ الحزب ولبنانيته، إلى حد اعتبار "المسلم الملتزم بمبادئ الحزب، أكثر تمثيلاً من المسيحي غير الملتزم"، حسب قول يزبك.
جاك (فضل عدم ذكره اسمه الحقيقي)، أحد مناصري القوات، غير المنتسب "وعلى الأرجح لن أنتسب"، كما يقول، نتيجة معارضته الانتماء إلى أي حزب سياسي، لما في ذلك من تقليص لحدود قدرته النقدية والفكرية، يلفت إلى صعوبة انفتاح القوات على باقي الطوائف، رغم النيات. شعار القوات الأكثر رواجاً هو "الصليب المشطوب"، و"أي مسلم رح يقبل يحمله؟"، يسأل متهكماً. ويضيف أن محاولة القوات إبراز تنوّعها وتقبّلها للطوائف الأخرى، سيصطدم حتماً بعقيدتها السياسية التي تعتمد في أساسها على التاريخ المسيحي والقومية اللبنانية. إلا أن الشاب المناصر، رغم تحفظاته على بعض النقاط الواردة في النظام الداخلي، كنسبة غير اللبنانيين المسموح لهم الانتساب والتي شارك في النقاش حولها قبل إقرارها، يعتبر "أن الإنجاز الأكبر الذي سينتج من إعلان الحزب هو تحويل هذه المؤسسة العسكرية إلى مؤسسة مدنية مرة واحدة وإلى الأبد".
تتمسك "القوات" في محطتها التاريخية هذه بشعار التغيير. تتقن جانبه التنظيمي الذي يخص خطوت التحول إلى حزب مدني، بعد تاريخ عسكري حافل، لا تتردّد أجياله السابقة في تبريره وتمجيده، وكذلك أجياله الصاعدة. تحوّل غابت عنه إعادة النظر الشاملة والنقدية للدور الذي لعبته القوات، من بين سواها (ولكن الآخرين لا يدعون الجدّة). لا تناول للأساليب التي انتهجتها القوات أيام الظروف "الطارئة"، كما يغيب عن التغيير سبل "تجاوز جميع الطوائف والمذاهب" في نظام طائفي ساهمت القوات وتساهم، إلى جانب الأحزاب الأخرى، في تكريسه. تكتفي إذاً بالإعلان عن التغيير، وتترك للمتابعين استنتاج ماهية "الأمانة" التي ستسلّمها أجيالها السابقة إلى أجيالها الحالية.

