انتظر سفير بلغاريا في بروكسيل لغاية أمس الأول (الأربعاء) كي يبعث رسمياً بتقرير السلطات البلغارية الى دول الاتحاد الأوروبي والمتعلّق بنتائج التحقيقات في تفجير حافلة الركاب الإسرائيلية في بورغاس على البحر الأسود في 18 تموز الفائت والذي اتهم فيه شخصين قيل إنهما ينتميان الى "حزب الله" وذلك بعد مرور أيام على إعلان التقرير في وسائل الإعلام العالمية.
وفي جديد هذا الملفّ الذي يتمّ بحثه في كواليس الاتحاد الأوروبي ما أشارت إليه أوساط بلغارية من "أن صوفيا تعرّضت لضغوط جمّة في الأسبوع الفائت كي تدرج "حزب الله" على لائحة الإرهاب خاصتها، ولكن الأمر بات متعذراً لأنه لا توجد لائحة للمنظمات الإرهابية في بلغاريا".
وكشف الأمين العام التنفيذي للاتحاد الأوروبي بيار فيمون الذي يعتبر الثاني في تراتبية الاتحاد الأوروبي بعد الممثلة العليا للسياسة الأوروبية كاترين آشتون أن بلغاريا "لم تطلب إدراج "حزب الله" على لائحة المنظمات الإرهابية في الاتحاد الأوروبي، بل هي طلبت مساعدة الاتحاد في التحقيقات وهذا ما فعله عبر جهازه المستقل "أوروبول" المختص بالتحقيقات، لكن بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي هي التي طلبت ذلك بعد تسلّمها التقرير البلغاري وبعد أن تلقت طلبات صادرة عن إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية".
واعترف فيمون "بوجود انقسامات حول مسألة إدراج "حزب الله" على لائحة المنظمات الإرهابية بين دول الاتحاد الاوروبي وقال: "ليست المرة الاولى التي يحصل فيها انقسام حول الموضوع ذاته بين دول مؤيدة للتصنيف الارهابي ودول تعارضه وأخرى تتخذ موقفاً وسطياً، وفي المرة السابقة لم يفض الانقسام إلى أي قرار، واليوم ثمة عنصر إضافي جديد هو التقرير البلغاري وهو موضع نقاش وتمحيص".
ورداً على سؤال لـ"السفير" عن معنى إدراج جهة معينة على لائحة المنظمات الإرهابية للاتحاد الأوروبي ومفاعيل قرار مماثل، قال فيمون إن الأمر يختلف "بحسب القرارات المتخذة ومن التدابير الممكنة مثلاً تجميد الاموال الخاصة بهذه المنظمة فضلاً عن حظر سفر مسؤولين فيها وعدم إعطائهم تأشيرات دخول الى الاراضي الاوروبية وسواها من التدابير التي تحدد وفقاً لكل حالة على حدة".
لهذه الأسباب يشكك الأوروبيون
وعلمت "السفير" من أوساط ديبلوماسية أوروبية أن ثمة تشكيكاً أوروبياً حقيقياً في التحقيق الذي قامت به السلطات البلغارية ولو كان جهاز "أوروبول" ضالعاً في التحقيق، لأنه في الواقع "لا أحد يمكنه معرفة التفاصيل الموجودة في التقارير المختلفة لأنها لا تزال في عهدة القضاء". أما أبرز عوامل التشكيك الأوروبي فتتأتى من الآتي:
أولأ، تشكيك المعارضة البلغارية المتمثلة بـ"الحزب الاجتماعي الديموقراطي" بنتائج التحقيق الذي قامت به الحكومة البلغارية برئاسة بويكو بوريسوف وانتقدت المعارضة إعلان الحكومة عن نتائج مماثلة من دون استشارة البرلمان وهذا أمر يستحق التوقف عنده بحسب الأوساط الديبلوماسية الأوروبية.
العنصر الثاني للتشكيك الأوروبي يتمثل "بالبيئة السياسية غير السليمة في بلغاريا حيث استشراء الفساد في الدوائر السياسية العليا وحتى في القضاء البلغاري، وهذا ما يؤدي الى أزمة ثقة بالجهاز الحكومي البلغاري من قبل الشركاء الأوروبيين ويدعوهم الى التعاطي بحذر شديد مع ما يصدر عن هذه الحكومة".
والتعاطي الحذر لأوروبا مع الشريك البلغاري ليس جديداً "لأن قبول بلغاريا كعضو في الاتحاد الأوروبي تمّ في العام 2007 بتحفظ، فهي قبلت سياسياً لأنه لم يكن مقبولاً تركها خارج الاتحاد الأوروبي، ولكن تمّ وضع قيود في ما يتعلق بالشؤون القضائية والشؤون الداخلية للاتحاد وتحديداً عدم السماح لبلغاريا إصدار تأشيرات الدخول للعمل داخل الدول الأوروبية الباقية والأمر سيان بالنسبة الى رومانيا".
عنصر التشكيك الثالث يتمثل بمسارعة إسرائيل منذ وقوع الحادث إلى اتهام إيران و"حزب الله" قبل بدء التحقيقات البلغارية الرسمية.
عنصر التردّد الأوروبي الرابع ولعلّه الأهم هو أن إدراج "حزب الله" على لائحة المنظمات الإرهابية سيؤدي الى مشكلة حقيقية داخل الاتحاد الأوروبي، "لأن هذا الإدراج لا يتمّ عادة بناء على طلب دولة معينة، بل لوجود خطر حقيقي وهو يمر عبر مسار قضائي، كما يتطلب الأمر مناقشة سياسية عميقة لوقائع موجودة".
وتستبعد الأوساط الأوروبية أن تتخذ الدول الأوروبية اي قرار في هذا الشأن في 18 الجاري أثناء اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي وتقول: "سيحصل نقاش حتمي لكن لن يتخذ أي قرار لأنه ليس من وقائع دامغة بعد، كما أنه لا إمكانية لفرض عقوبات ضدّ "حزب الله" في حال إدراجه على اللائحة السوداء لأن هذا الإدراج إن حصل يتطلب تطبيق عقوبات والعقوبات تتطلب إجماع الدول الأوروبية قاطبة، وهذا ما ليس موجوداً راهناً، فضلاً عن بطء الآلية المتأتية من جسامة المشكلة سياسياً وتطلبها توافقاً سياسياً غير موجود".
أما عنصر التردد الخامس، فهو أن الدول الأوروبية لا يمكنها البتة وبعد فرض عقوبات على منظمة "حماس" وإيران وسوريا وتطويق ذاتها بجوار معادٍ، فهل من مصلحة أوروبا أن تضع "حزب الله" ايضاً على اللائحة السوداء وهو حزب موجود في الحكم في لبنان؟ وبالتالي إن المعالجات لهذا الملف مهما كانت تفاصيله ستكون سياسية وديبلوماسية".
موازنة صعبة للأعوام الستّة
وبدأت أمس في بروكسيل اجتماعات المجلس الاوروبي بحضور 27 رئيس دولة أبرزهم الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل، ورؤساء وزراء إيطاليا ماريو مونتي، إسبانيا ماريانو راخوي براي وبريطانيا دايفيد كاميرون، ويرأس الاجتماعات رئيس المجلس الأوروبي هيرمان فان رومبوي بحضور الممثلة العليا للسياسة الخارجية كاترين أشتون ورئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز.
وتصدرت ميزانية الاتحاد للأعوام الستة المقبلة جدول الاعمال، وسيتركز النقاش على مدى يومين حول تقليص الميزانية المعروضة وهي بحدود 980 بليون يورو وثمة اقتراحات بتقليصها بين الـ20 والـ30 بليون يورو، ويدور الجدال حول القطاعات التي سيطالها هذا الاقتطاع وهل سيطاول العلاقات الخارجية أو البرامج التنموية او البحوث العلمية وسواها وسط قلق كبير من تداعيات الازمة الاقتصادية التي تضرب اوروبا والتي خيمت اجواؤها على احتماعات المجلس الأوروبي.
الجدير ذكره أن دول الشمال هي التي تدعو الى تقليص الميزانية ومنها بريطانيا وفنلندا وهولندا، في حين تطالب دول الجنوب بالإبقاء على الميزانية الحالية وزيادتها، ويتركز النقاش أيضاً حول كيفية إيجاد الموارد لتمويل الاتحاد الاوروبي ومشاريعه، خصوصا ان بلداناً عدة تطالب باستعادة التعويضات التي دفعتها، علما بان رواتب الموظفين في الاتحاد تشكّل جزءاً كبيراً من الميزانية، حيث يعمل في الاتحاد حوالي 900 موظف بينهم 300 ديبلوماسي.
ورشحت أجواء غير متفائلة عن إمكان توصّل القادة الأوروبيين الى اتفاق بشأن الميزانية السداسيّة. وقال مصدر ديبلوماسي مطّلع لـ"السفير" أن عدم توصّل القادة الأوروبيين الى حلّ جذري بشأن الميزانية السداسية يفتح الباب أمام اقتراحات بتقرير ميزانية كل سنة على حدة ما يعوق تمويل الاتحاد الأوروبي لمشاريع طويلة الأمد قد تمتدّ أحياناً الى 3 أو 4 أعوام "وهذا ما يؤثر سلبياً على تمويل المشاريع الأوروبية في بلدان عدّة".
ويتضمن جدول أعمال "المجلس الأوروبي" مواضيع تتعلق بدول الجوار الجنوبي، مالي، الصومال والقرن الافريقي، القطب الشمالي، العلاقة الخارجية مع الولايات المتحدة الاميركية بحسب "الأجندة" التي قدّمها الرئيس باراك اوباما في ولايته الثانية بالإضافة الى مواضيع تتعلق بالعراق، الاستقبال المؤقت لبعض الفلسطينيين، افغانستان، عمل الاتحاد الاوروبي ضد انتشار اسلحة الدمار الشامل، تونس، دعم الاتحاد الاوروبي للتغيير في المجتمعات التي هي في طور التحول، الامن على الحدود الليبية وبرنامج عمل الاتحاد الاوروبي لعامي 2013 و2015.

