يعترف معظم الديبلوماسيين المعتمدين في لبنان، ولا سيّما منهم ممثلو الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، بأنّ الوضع اللبناني يستأثر بمعظم اهتماماتهم. وهو ما دفع أحدهم إلى تأليف فريق عمل لبناني – أجنبي لرصد التطوّرات، مطمئناً إلى أنّ كلّ ما يجري في لبنان لا يعدو كونه حراكاً في مرحلة لا زالت تحت السيطرة.
ما زالت الرعاية الدولية ضامنة للهدوء
يتابع المراقبون الديبلوماسيون التطورات اللبنانية رصداً للمتغيّرات المحتملة في مرحلة تدور الأحداث فيها بإدارة خارجية ما زالت تمتلك أدواتها على الساحة الداخلية، ومن هنا يأتى الحدث مفاجئاً أحياناً في شكله ومضمونه وتوقيته.
فلبنان يعيش في ظلّ رعاية أممية لم يفتقدها حتى الآن، على حدّ قول ديبلوماسيّ عتيق، مضيفاً أنّ البلد في اعتباره مجاوراً سوريا، فهو أحد المختبرات التي نشأت في المنطقة لرصد التطوّرات السورية في إطار حرب المحاور الكبرى الدائرة في ما بين دول وأنظمة لها ما يمثّلها في كلّ حادث وحديث".
ويقول: "ما زالت المنطقة، وتزامناً مع ما يجري في سوريا، منطقة تحت مرصد الأحلاف الدولية التي تدير المعارك على أراضيها في مواجهة قاسية لا مثيل لها منذ بزوغ فجر الربيع العربي، على الرغم من أنّها تبدو في بعض الأحيان غير متكافئة، عندما تُجرى المقارنة بين قوّة النظام العسكرية التي ما زالت تمسك بزمام المناطق الحسّاسة في البلاد، وقدرات الثورة السورية الهزيلة التي لم تتمكّن حتى اليوم، وبعد مرور ثلاثة وعشرين شهراً، من إحداث خروق بارزة في جدار النظام ولا تصيب منه مقتلاً.
وعلى هذه الخلفيات يقرأ الديبلوماسي الأحداث اللبنانية التي تتلاحق دراماتيكيّا، بحيث باتت المفاجآت الأمنية والسياسية بعضها يبتلع بعضاً. وقبل توافر المعالجات لأيّ ملف أو قضية، تُفتح قضيّة أخرى تبدو أكثر خطورة، فتُطوى صفحة على زغلٍ قاتل، وتُفتح أخرى على سيل من المفاجآت.
محاولات خرق
ويقول الديبلوماسي إنّه منذ اغتيال اللواء وسام الحسن بدا أنّ هناك من يسعى الى خرق سقف التهدئة التي رسمتها معادلات دولية وإقليمية وداخلية معقّدة بغية الانتقال بالبلاد من مرحلة المراوحة الى مرحلة التوتّر.
فتوالت الأحداث من عكّار وطرابلس الى صيدا، فعرسال، حيث يشتمّ كثيرون رائحة طبخات المكائد والأفخاخ، والتي فاقمها وجود كثير من الألغاز التي لم تُفكّ بعد، ما جعل النزاع قويّاً ومريراً في ظلّ وجود ما يعزّز الاقتناعات على تناقضها لدى طرفيها، وهو ما يسفر في النتيجة عن أمر واقع جديد وصعب يزيد الانقسامات السياسية وتلك التي ترتدي العباءات الطائفية والمذهبية والمناطقية.
ومن هنا يلاحظ الديبلوماسي أنّ تجاوز القضايا والملفات المطروحة وتأجيل البتّ بها من دون حلّها نهائيّاً يزيد الاحتقان يوماً بعد آخر، من دون أن تتوافر أيّ ضمانات تكفل عدم وقوع الانفجار الكبير الذي ما زال اللاعبون الكبار يتحاشونه.
التوازنات
وعلى الرغم من هذه الصورة السوداوية، يعتقد المُطّلعون أنّ التوازنات الإقليمية والدولية ما زالت تتحكّم بالوضع اللبناني، فيبدو واضحاً أنّ هناك
حدوداً لا يتجاوزها المتنازعون، سواء بقرار ذاتي أو عن عجز بتغيير المعادلات القائمة، فالنتيجة واحدة وتتجلّى بمزيد من الاهتراء في الأوضاع الاقتصادية والأمنية والمعيشية الى أجَل غير مسمّى.
ومن هنا تأتي المعادلة الجديدة التي يتبادلها الديبلوماسيّون، فيظهرون بمظهر الضامن للاستقرار العام في البلاد، وهم يجزمون بأنّ وقوع أيّ حادث في منطقة لا يمكن ان ينتقل الى أخرى، لا بالعدوى السياسية ولا المذهبية.
وطالما إنّ الستاتيكو القائم في المنطقة لم يتبدّل بعد، وإنّ البعض غير قادر على خرق المحظورات لبلوغ ما يتمنّاه، يبدو أنّنا أمام نظرية ثابتة لا تقبل الجدل، وهي أنّ ما يجري لا يعدو كونه لهواً في وقت ضائع تحكمه معلومات غير مؤكّدة عن تفاهماتٍ ومشاريعِ تقاسم للنفوذ لم تكتمل بعد… لكنّ خطرها ماثل في كثير من مظاهر الأزمات الأمنية بعد المالية والاقتصادية والمعيشية التي تعيشها البلاد، وهي من الأكلاف المنتظرة إلى أن يحين موعد الانفراج في المنطقة… وما على اللبنانيين سوى الانتظار!

