يبدو ان اجتماعات الرئيس نبيه بري مع لجنة نواب 14 آذار، ما هي الا تضييع للوقت، ولا حل جدي في هذا المجال. والحدّ الأقصى الذي يمكن ان يصل فيه الرئيس بري مع لجنة 14 آذار هو انعقاد اللجنة الفرعية لبحث قانون الانتخابات.
فيما طالبت 14 آذار بالعودة الى محاضر اجتماعات اللجان المشتركة، التي بحثت قانون الانتخابات سابقاً. مما اعتبره الرئيس بري مناورة في غير محلها.
الامور في لبنان لم تستوِ، فلبنان يأتي في المرتبة الرابعة دولياً، الأول هو ما يحصل في مصر، والثاني ما يحصل في سوريا، والاثنان متلازمان، اما الثالث فهو ملف فلسطين وحماس، وعلاقتهم مع ايران، وصولا الى الملف النووي، والموضوع الرابع هو لبنان، الذي تريد الدول الاوروبية واميركا وموسكو ابقاءه مستقراً، لحين انقشاع الرؤية في المنطقة، سواء بالنسبة للنظام في سوريا، أم للاخوان المسلمين في مصر، أم لحركة حماس، التي قد تتحد من جديد مع فتح، ولكن ليس كما تطلب حماس منظمة تحرير، وليس كما تطالب فتح بدخول حماس الى السلطة الفلسطينية.
في لبنان، 8 اذار تعتبر قانون 1960 خسارة لها مسبقا، وهي قامت بحساباتها ووجدت انها ستخسر الاكثرية وتصبح اقلية، ولذلك لن تقدم هدية لـ14 آذار قانون انتخابات يؤدّي الى هزيمة 8 اذار ونجاح 14 اذار من دون جنبلاط بالاكثرية.
و8 آذار لديها مشروع متكامل، مرتبط بالوضع اللبناني اقليمياً، أي ان تبقى قادرة عبر المقاومة على ردع اسرائيل من الاعتداء على لبنان، كذلك لدى 8 آذار مخطط هو الانفتاح على الجميع، وعدم سيطرة فريق على فريق آخر.
أما بالنسبة لـ14 آذار، فحساباتها دولية، وتعتبر ان واشنطن وباريس ولندن هم الذين يردعون اسرائيل، وليست المقاومة. وبالتالي، ليست القضية قضية انتخابات، ومسألة اصوات وأكثرية وأقلية، بل الموضوع هو إما إكمال مشروع المقاومة في لبنان، أو سيطرة 14 آذار على الأكثرية، وعندها تستطيع هذه الاكثرية التصويت في مجلس النواب، أو تأليف حكومة، والتعاطي مع المجتمع الدولي، وفق برنامج 14 آذار، الذي ظهر بوضوح في الفترة الاخيرة.
أين هي نقاط الخلاف بين 14 و8 آذار؟
1- 14 آذار تريد اسقاط النظام السوري، و8 آذار تعتبر ان الدعامة القومية لها هو النظام السوري.
2- 14 اذار تريد نزع سلاح المقاومة، و8 آذار تعتبر سلاح المقاومة آلة ردع لاسرائيل كي لا تفكر في الاعتداء على لبنان.
3- 14 آذار تريد تطبيق الطائف، وخاصة تيار المستقبل، وأن يكون رئيس مجلس الوزراء مهيمناً على البلاد، بينما 8 آذار، وخاصة حزب الله والعماد ميشال عون، يريدان تعديل الدستور وميثاق الطائف، بشكل يعيد الصلاحية لرئيس الجمهورية.
4- 14 آذار تريد التحالف مع محور دول الخليج وعلى رأسها السعودية، وصولا الى أميركا، و8 اذار تتحالف مع سوريا وايران وروسيا.
هذه النقاط الـ4 التي ذكرناها، هي محور الصراع في الانتخابات القادمة، وكل فريق سيحاول ان يحصل على الاكثرية، والحصول على الأكثرية يأتي عبر قانون الانتخابات.
واذا كان دستور الطائف قد وضع نصاً ومادة دستورية كاملة، وهي اجراء انتخابات نيابية على اساس المحافظات، بعد تقسيم اداري جديد للمحافظات في لبنان. فان هذه المادة لم تنفذ، واستطاعت الطبقة السياسية العودة الى القوانين القديمة، ومنها قانون 1960.
وأدى قانون 1960 الى فرز أكثرية لصالح 14 آذار، لكن مع انقلاب جنبلاط على 14 آذار، انتقلت الاكثرية الى جانب 8 آذار، اي حزب الله والرئيس نبيه بري والوزير سليمان فرنجية.
وفق قانون 1960، يربح سعد الحريري مع تكتل 14 آذار 66 نائباً من دون جنبلاط، اي تكون معه الاكثرية و14 آذار، ومن دون حسبان نواب جنبلاط.
وفي قانون 1960، يتم انتخاب 40 نائباً مسيحياً من قبل المسيحيين، و24 نائباً من خليط اسلامي – مسيحي، يكون فيه التأثير للمسلمين أكثر.
اما من خلال الدوائر الصغرى الذي اقترحته القوات اللبنانية، فان المسيحيون ينتخبون 53 نائباً مسيحياً، و11 نائباً من النواب المسيحيين، يتم انتخابهم عبر خليط مسيحي اسلامي، ويكون المسلمون لهم التأثير الكبير.
اما وفق القانون الارثوذكسي، اي المسيحي لا ينتخب الا المسيحي، والمسلم لا ينتخب الا المسلم، فنصف المجلس 64 نائبا مسيحيا ينتخبهم المسيحيون 100%. وهكذا يكون التمثيل مسيحي كامل.
ولقد اتفق العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع على القانون الارثوذكسي في بكركي، وبعد تحاور جعجع مع حلفائه رفضوا القانون الارثوذكسي، فهاجم العماد عون الدكتور جعجع، وقال له "حبل الكذب قصير". ورد الدكتور جعجع بأن عون آخر من يحق له الحديث عن الكذب، مضيفاً، ماذا استطيع ان افعل انا سمير جعجع اذا رفض حلفائي القانون الارثوذكسي.
طرح وزير الداخلية مروان شربل قبل سنة مشروعا لقانون الانتخابات على أساس النسبية، وحوّله الى رئاسة الحكومة، لكن الحكومة ماطلت ولم تبحث هذا القانون، وها نحن نقترب على 5 اشهر من اجراء الانتخابات النيابية. وقانون الانتخاب الحالي هو قانون 1960، فاذا لم يتم اقرار قانون آخر فستجري الانتخابات على أساس قانون 1960. وعندها يربح الرئيس سعد الحريري. وواضح ان 8 آذار ستعطّل الانتخابات باية وسيلة، اذا رأت من خلال الماكينة الانتخابية لديها، ان 14 آذار من دون جنبلاط ستحصل على الاكثرية. وبالتالي، فحزب الله و8 آذار لن يسلموا البلد الى 14 آذار.
من هنا جاءت عبارة ان اجتماعات الرئيس نبيه بري مع نواب 14 آذار هي مضيعة للوقت، ولا حل جدّي قبل معرفة البنود الثلاث الاولى التي تهتم بها عواصم العالم، وهي وضع مصر، وماذا سيحصل في 15 كانون الاول بعد ايام، ثم الحرب السورية، ثم الوضع الفلسطيني، ثم الوضع اللبناني.
بالنسبة لوضع مصر، فان سقوط او نجاح الاخوان المسلمين سينعكس على المشرق العربي.
بالنسبة للحرب السورية، ستغير خريطة المنطقة كلها، اذا سقط النظام.
بالنسبة لفلسطين، اذا اتفقت حماس وفتح مجدداً، ووافق أبو مازن على شرعية اسماعيل هنيّة في رئاسة الحكومة، فان واشنطن ستكون محرجة للغاية. وحماس بعد وقوفها في وجه اسرائيل وضرب صواريخها، لم تعد تقبل بأن حكومة اسماعيل هنيّة هي حكومة مُقالة، بل تعتبر ان الحكومة التي يرئسها اسماعيل هنية هي الشرعية. وهنا واشنطن تضغط على الرئيس أبو مازن كي لا يتفق مع حماس.
على الصعيد اللبناني، الذي يأتي في المرتبة الرابعة، فان السعودية واميركا تريد ان تربح 14 آذار، والمخطط الذي كان مرسوماً على الأرض، كان له دور كبير فيه الشهيد اللواء وسام الحسن، من خلال التنسيق بين الجيش وبينه ومع الاميركيين الذين يؤثرون على الجيش وعلى الاجهزة الامنية في لبنان. وقد اصاب الجهاز الأمني الذي يدعم 14 آذار صدمة وضربة قاضية باغتيال الشهيد اللواء وسام الحسن.
ومثلما كان اغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري هو البداية وليس النهاية، ويومها قالت "الديار" في اليوم الثاني هذا الامر، فان اغتيال الشهيد اللواء وسام الحسن هو البداية وليس النهاية. وستحصل اغتيالات من الآن وحتى الانتخابات النيابية. ونحن لا نتحدث عن تنبؤات انما من واقع عسكري وأمني، فان اغتيال رأس جهاز أمني مثل شعبة المعلومات والقوة التي وصلت اليها، فذلك يعني رفع الغطاء الأمني عن 14 آذار، وتهديدهم على الاقل، بالقتل او الاغتيال، دون معرفة الجهة الفاعلة جدياً. اذ ان ما يحصل هو افتراض من خلال اتهامات 14 آذار بأن سوريا وحزب الله تقفان وراء الاغتيالات.
ولكن في الفترة الاخيرة، كان اللواء الشهيد وسام الحسن هو ضابط امان لنواب وقادة 14 آذار، وكان دائماً على اشراف على معلومات بشأن محاولات الاغتيال، واستطاع الفريق التقني التابع للاتصالات بشعبة المعلومات، ضبط اي حركة لمجموعة تريد الاغتيال، اذ ان شعبة المعلومات امتلكت اجهزة خاصة من الخليج ومن دولة الامارات ومن فرنسا، تستطيع تحليل كل المعلومات وداتا المعلومات عبرها، وعندما تسلمت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، قرر وقف اعطاء الاجهزة الامنية، خاصة شعبة المعلومات، داتا الاتصالات. وهكذا تم اضعاف جزئي لشعبة المعلومات في كشف الجرائم ومحاولات الاغتيال.
الا ان ما هو لم يعد سراً، بل سينكشف لاحقاً، ان شعبة المعلومات كانت تحصل على داتا الاتصالات من خلال عملاء لها ومخبرين وموظفين يقبضون اموالاً ويحوّلون داتا الاتصالات الى شعبة المعلومات. وبالتالي لم تنقطع كل داتا الاتصالات عن شعبة المعلومات.
وعندما تم اكتشاف ان اللواء الشهيد وسام الحسن كان يعرف داتا الاتصالات، تم الحجر النهائي وحجز كل معلومات للداتا التابعة للاتصالات. وقد ظهر ذلك بأن شعبة المعلومات تحصل على داتا الاتصالات، عندما اتصل الشهيد اللواء وسام الحسن بالنائب سامي الجميل، وابلغه انه الليلة ذاهب الى مطعم للعشاء. فأجابه، نعم. فقال له لا تذهب. ثم درسوا سيناريو ان يبقى النائب سامي الجميل في المنزل، وأن يذهب موكبه الى العشاء، وهنالك سيارة مفخخة على الطريق ستنفجر، على أساس ان سامي الجميل ضمن الموكب، لكن النائب سامي الجميل رفض التضحية بمرافقيه، كذلك رفض الشهيد اللواء وسام الحسن عندما سأله سامي الجميل انت ماذا تفعل لو كنت مكاني، فقال له، انا لا أضحّي بسائقيّ ومرافقيّ، ويومها انكشف ان المعلومات تحصل على داتا المعلومات، وتم الاعتقال لثلاثة من داتا الاتصالات وجرى التحقيق معهم.
كما ان 4 موظفين في احدى شركات الخليوي تم طردهم، وطرد موظفين من شركة خليوية اخرى كانا يعطيان معلومات للشهيد اللواء وسام الحسن.
نصل الان الى خاتمة الموضوع، وهي هل يستطيع الرئيس نبيه بري الوصول الى إعداد قانون انتخاب جديد، بداية الجواب، هو اقتراح الرئيس نجيب ميقاتي الذي أكد للمرة الثانية، تلازم اقرار قانون انتخاب مع تأليف حكومة في ذات الوقت، لكن يبدو ان هذا الحل غير مقبول من 14 آذار، التي تريد فقط حكومة حيادية، مع قانون 1960.
فيما 8 آذار تريد قانون يستند الى النسبية، أو الى تقسيم اداري جديد لدوائر الانتخابات، مع القبول بحكومة حيادية، بعد الاتفاق على هذا القانون.
ويظهر بوضوح انه من غير الممكن الاتفاق على قانون الانتخابات، لاننا ذكرنا 3 محطات أساسية ينتظرها الشرق الأوسط، ماذا سيحصل في مصر، ماذا سيحصل في سوريا، ماذا سيحصل في فلسطين، وفي أيار 2013 نعرف ماذا سيحصل في لبنان، وفي 9 حزيران نعرف ماذا سيحصل في لبنان.
واثناء هذا الوقت، قرر الرئيس نبيه بري اعطاء البلد جو من الاطمئنان، عبر لقائه مع نواب 14 آذار، الذين، للأسف، ينتظرهم اغتيالات.
جنبلاط في باريس
من جهة اخرى، يسافر الوزير وليد جنبلاط الى باريس، ليقدّم مبادرته الى الرئيس الفرنسي هولاند، التي قدمها الى كافة الاطراف اللبنانية، وأرسل الوزير وائل أبو فاعور، وقدمها لأمين عام الجامعة العربية. وستكون مناسبة لتعارف الوزير وليد جنبلاط مع الرئيس الفرنسي الجديد، اكثر مما هي بحث قانون انتخابات. فالمخابرات الفرنسية سبقت في كل مرة يأتي رئيس جديد، أن تقدّم تقريراً الى رئيس قصر الاليزيه، اي رئيس الجمهورية الفرنسية، ان علاقة تاريخية تربط ما بين المختارة وفرنسا، وان وليد جنبلاط زعيم طائفة كبير، وزعامته في مقرها في المختارة، كانت دائماً على افضل علاقة مع فرنسا، الى حدّ ان الوزير وليد جنبلاط رفع علم فرنسا في المختارة.
وطبعاً يريد الوزير وليد جنبلاط اشراك الرئيس الفرنسي بالاهتمام بلبنان، ويريد ان تكون علاقته مباشرة مع الرئيس الفرنسي، وسيسأل الرئيس الفرنسي هولاند من سيكلّف الرئيس الفرنسي شخصية فرنسية تكون هي ضابط الاتصال بين جنبلاط والرئيس الفرنسي.
ومثلما كان الرئيس ساركوزي قد كلّف لوفيك ان يكون صلة الاتصال باللواء علي المملوك وميشال سماحة ومروان حمادة، وكل الاطراف، قد يكلف الرئيس هولاند ضابط اتصال، اي وزير كي يكون على متابعة لكل الملفات، خاصة في لبنان.

