أكثر من مجرّد قوّة

كان مشهد الفتية، وهم يتشابكون، مختلفاً عمّا يألفه المرء من صور في الذاكرة. لم يكن عراكهم طفولياً، ولا تبرّر الكرة التي ركلها أحدهم فأصابت وجه أكبرهم، ما جرى. كان يمكن لحادثة كهذه، في زمن مختلف، أن تنتهي بشتائم متبادلة. كان يمكن، مع المبالغة في الانفعال، أن يتحول الصراخ إلى لكمات خفيفة. يذكر بعضنا، ولا بد، أحداثاً كهذه يوم كنا صغاراً. نذكر، أن القبضة التي كانت تتجه إلى وجه غريمنا لم تكن تحمل أكثر من غضب عابر. لكن الحادثة هذه بدت مختلفة. الاشتباك الذي بدأ باللكمات مباشرة، متجاوزاً مرحلة الشتائم والصراخ، تحوّل إلى معركة حقيقة. الأربعة الذين انقضّوا على الفتى «المذنب» راحوا يكيلون له اللكمات، واحدة تلو الأخرى، حتى إذا سقط أرضاً، أخذوا يركلونه بقسوة. كانت الأيدي والأقدام التي تنهال عليه تشي بأمر غير الغضب. كان فيها تعبير واضح عن عنف تفوق أسبابه عرقلة في لعبة كرة قدم في حيّ شعبي.
صار من غير النادر مصادفة حالات مشابهة. حالات تتصف بفائض من العنف، لا نجد مبرره في الحادثة نفسها. حالات نصادفها عند سائق «فان» ينتقم بعنف من راكب اعترض عليه أو سيارة اعترضت طريقه، عند رجلين يتقاتلان على أولوية مرور، عند أب أو زوج يمارس «سلطته» بالضرب، يجدها في المدرسة وعند أستاذها، في الجامعة وعند طلابها، في السرقات التي صار يستسهل أصحابها القتل ببساطة. في القتل الذي صار خبراً يومياً، لأجل أتفه الأسباب وأسخفها.
كأن ما ينفجر في أحداث كهذه ليس غضبا عابرا فحسب. كأن فيها ما يسبق المعركة أو الحادثة نفسها، ويتفوّق عليها وعلى دواعيها. كأن فيها عنفا بات يتوق إلى الانفلات. عنف يصارع كبته، تدخل في تكوينه أسباب كثيرة، منها ما يمكن نسبته إلى الإيمان بفائض القوة.
يصدّق اللبناني الملتحف بعباءة الطائفة أنه قادر بالمطلق. يصدق أنه قوي. يستمد من قوة زعيم الطائفة قوّته وسبب وجوده، وليس بالضرورة في الاتجاه الذي يريده أو يعلنه الزعيم. يصدق أنه قويّ، هكذا فقط. قوي بمقدار ما يخبره الزعيم ذلك، في خطابات تمتلئ اعتدادا بالنفس واستهانة بالآخر. حتى إذا انتهى خطاب، امتلأ المستمع اعتداداً بالنفس واستهانة بالآخر.
وإذا كانت قدرة الزعيم، واستكمالا قدرة الطائفة، محكومة بحدود تضبط القوة وتدير وجهتها، فإن قوة الفرد تقع خارج تلك الحدود. يجري ذلك في بلد استبيحت فيه أصلاً كل الحدود التي يفترض أن ترسمها أجهزة الدولة الشرعية، وقبل ذلك المصالح المشتركة لأهله. قوة الفرد، أو وهم امتلاكها، على هذه الحال، مختلفة عن قوة الجماعة. الأخيرة منضبطة، ملتزمة بقرار الزعيم، وموجّهة إلى الخصم: جماعة أخرى، منضبطة بدورها وملتزمة بقرار الزعيم. قوة الفرد ليست كذلك، وملعبها ليس بالضرورة هو نفسه ملعب الجماعات. ملعبها في الشارع والحي والجامعة. والآخر، هو الخصم، من الجماعة نفسها أو من سواها، هو الخصم في الشارع أو الحي أو الجامعة.
يحمل الفرد وهمه هذا أينما حلّ. يحمله فوق رأسه وعلى لسانه وفي قبضات يديه. ينجح حيناً في إثباته في مواجهة آخر يحمل الوهم نفسه، ويفشل حيناً. يفشل لكنه لن يتراجع عن إيمانه. فإذا اصطدم بعجزه، ضعفه الحقيقي جداً، في أعمق ذاته، فسيتهرب منه بالقوة أيضاً. سيظلّ قوياً، وسينتظر فرصة أخرى ليثبت ذلك. والفرصة، في مساحة يومياته، متاحة أينما ذهب. متاحة حتى في حياته الافتراضية.
عندما يحرم الفرد الموهوم بامتلاك القوة من التعبير عنها بالفعل، يلجأ إلى التعبير لفظيا. يجد في المساحات العامة الافتراضية فرصة متاحة لذلك. فرصة مؤقتة ربما، إلى إن يحصل على فرصته في الشارع. يهدد ويتوّعد، وسط جمهرة من أصدقائه الافتراضيين. يرتفع صراخه الممتلئ بالعنف وبالاستعداد لترجمته أمراً واقعا، فوق كل شيء. تأخذ قوته هنا شكل قوة الطائفة والجماعة غالبا. لكنها تغذي شعور القوة لديه، بالمطلق. يختلط مفهوم القوة العام بالخاص، مع هذا الاندفاع نحو إثبات امتلاك القدرة، فيصير مورداً لمزيد من الوهم. وهم يعيده إلى الذات، إلى الفرد، وقد امتلك القوة الكاملة التي لا يحدّها شيء.
وهم لا تضعف صفته هذه من خطورته، بل تضاعفها. فالوهم، أيضاً، قد يؤدي إلى الانفجار.. أو الانتحار. 
 

السابق
ميقاتي: لوضع الخلافات جانباً والالتقاء على طاولة الحوار
التالي
بعد 19 عاما يكتشف انها رجل!!