المتابع للأحداث المتلاحقة في دنيا العرب يلحظ أن صدمة الفيلم المسيء للإسلام لم تنتهِ مفاعيلها بعد، لا بل يمكن القول بسهولة إنها لم تفصح كفاية عن جميع مفاعيلها. فالحشود الجماهيرية، التي نزلت إلى الشارع في أكثر من عاصمة ومدينة عربية أو إسلامية لاستنكار الإهانة، دفعت بغير طرف إلى إعادة حساباته المتعلقة بـ«الربيع العربي». مراجعة بدأت من عند الأميركي وانتقلت الى قوى «الإخوان المسلمون» التي تسلمت السلطة او تستعد لتسلمها في دول المنطقة.
الأميركي، بلسان الرئيس اوباما كما بلسان وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، رأى فيها غوغاءً ووعد بعدم الخضوع او التراجع أمام «طاغية الحشود الغوغائية». غير أن تنصل الاميركي السريع من «الظهور» مع الإخوان شغل بال الجميع من أن يعيد الأميركي حساباته انطلاقاً من صراعه الأساس مع القوى الصاعدة دولياً واقليمياً.
«الغوغاء» أخاف الإخوان من أن يجدوا انفسهم أسيري صراع مفتوح مع جناحهم الإسلاموي المتطرف من دون إمكان الاتكاء على دعم اميركي واضح. الغوغاء طاغ جديد أضيف حديثاً الى قائمة الطغاة التقليديين في بلادنا. فإلى أين المسير؟
أغلب الظن أننا انتقلنا من مرحلة الطغاة العلمانيين إلى مرحلة الطغاة الشعبيين المتكئين الى نظريتهم الخاصة في الدين. بين ما نراه بأم العين وما سمي يوماً الفوضى الخلاقة بالكاد شعرة رقيقة. الفارق الوحيد يكاد ينحصر بالتسمية لا بالمضمون، الرئيس اوباما يراه غوغاءً فيما كان الرئيس الأميركي السابق يسميه فوضى خلاقة.
على أي حال لم يعد يهم اذا كانت حالتنا تحت هذا المسمى أم ذاك، بقدر ما يهم ان نجيب عن فرضية أهم بالنسبة إلينا: ألم يكن من المتوقع لا بل من المؤكد أن نصل الى «الغوغاء» عندما نواكب أو «نساعد» انتفاضات تحت شعار الديموقراطية في بلاد نسيجها الاجتماعي مفكك؟ ألم يكن من الطبيعي أن نصل الى حالة التفكك، التي بدأنا نتنسم ملامحها، في مجتمعات مركبة من جماعات إتنية وطائفية وعشائرية لا مواطن فرد فيها ولا دولة؟
والحال فإن ثورة «عاقلة» حرة كان عليها لتجنب الوقوع في الصراع الأهلي أن تطرح بالأحرى شعارات توحد ولا تفرق، تجمع ولا تقسم، تفرز الناس على أساس المواطنة لا على قاعدة الجماعة. المشاكل التي يعاني منها مجتمعنا العربي فعلياً ليست نادرة الى حد التفتيش عن شعار يهم فقط الخارج وبعض نخب المعارضة وممثلي بعض شرائح المجتمع الأهلي. القيام بثورة من اجل بناء اقتصاد منتج يتيح خلق فرص عمل لملايين الشباب العربي العاطل من العمل ألم يكن يجيب عن حاجاتنا الملموسة التي توحدنا؟
القيام بثورة من أجل بناء دولة عصرية مستقلة توحد أبناءها جميعهم ألم يكن المهمة العاجلة لشبابنا الضائع بدل دفعهم اليوم في طريق الفوضى الخلاقة، أو عفواً الغوغاء؟ إلا طبعاً إذا كان الفيلم يتضمن هذا السيناريو.

