تبسط الولايات المتحدة الأميركية سلطانها على العالم بواسطة «الإيديولوجيا» التي تدعو إليها، وبالضغط الاقتصادي والعسكري الذي تمارسه. أما الإيديولوجيا التي تقود ممارستها فتحمل إسماً بريئاً «توافق واشنطن» الذي يتلخّص بمجموعة من الاتفاقات غير الرسمية (Gentleman agreements) التي عقدت في الثمانينات والتسعينات من القرن الفائت بين أبرز الشركات العابرة للقارات ومصارف وول ستريت وبنك الاحتياط الفدرالي (أي البنك المركزي الأميركي) ومؤسسات مالية دولية (البنك الدولي + صندوق النقد الدولي… إلخ). وترمي تلك الاتفاقات، في ما ترمي إليه، إلى التصفية السريعة لكلّ أشكال التنظيم الحكومية أو غير الحكومية والتحرير الكامل للسلع والرساميل والخدمات وبراءات الصنع في جميع الأسواق العالمية لتقام في النهاية إدارة عالمية من دون حكومات وسوق عالمية موحّدة تنظّم نفسها بنفسها. يرمي «توافق واشنطن» إذن إلى «خصخصة العالم» التي تقضي بـ:
1 ـ إدخال إصلاح ضريبيّ في كل بلد مدين يقوم على معيارين، خفض الضريبة على المداخيل المرتفعة لتشجيع الأغنياء على القيام باستثمارات مربحة من ناحية، وتوسيع قاعدة المكلّفين من ناحية ثانية.
2 ـ التحرير الكامل والسريع للأسواق المالية.
3 ـ تأمين المساواة في المعاملة بين الاستثمارات الوطنية والاستثمارات الأجنبية لزيادة الأمن لهذه الأخيرة واجتذابها.
4 ـ تفكيك القطاع العام قدر المستطاع، خاصة المؤسسات التي تملكها الدولة أو هيئة تابعة لها (هنا يفهم، من يريد أن يفهم، الهجمة المسعورة على القطاعات العامة اللبنانية، مثلاً، لوضعها في عين الخصخصة).
5 ـ إلغاء سائر النظم المقيّدة للاقتصاد الوطني لضمان حرية التنافس بين جميع القوى الاقتصادية في السوق.
6 ـ تعزيز حماية الملكية الخاصة.
7 ـ تشجيع تحرير المبادلات التجارية بأسرع ما يمكن، على أن يكون الهدف خفض الرسوم الجمركية إلى 10 في المئة سنوياً.
8 ـ منح القطاعات الاقتصادية القادرة على تصدير منتجاتها أولوية في التنمية، لأن تشجيع التجارة الحرّة يتمّ عن طريق الصادرات.
9 ـ الحدّ من عجز الموازنة.
10 ـ تأمين «شفافية السوق» عبر إلغاء المساعدات التي تقدمها الدولة إلى الفاعليات الاقتصادية الخاصة، وإلغاء دعم أسعار المواد الغذائية من قبل حكومات العالم الثالث، ومنح الأولوية في موازنة الدولة
لقطاعات البنية التحتية (السياسة «الحريرية» منخرطة منذ نشأتها في هذه «الإيديولوجيا» الأميركية المدمّرة للاقتصادات الوطنية تمهيداً للانقضاض عليها وخصخصتها).
يقول عالم الاجتماع الكبير بيار بورديو: «تشكّل الليبرالية الجديدة سلاحاً لضمان النصر، فهي تعلن عن قدرية اقتصادية لا تنفع في اعتراضها أيّ مقاومة. إن الليبرالية الجديدة مثل مرض السيدا تدمّر جهاز المناعة في ضحاياها».
كذلك يقول المفكّر المرجع آلان توران Touraine: «ثمة حفرة سوداء بين السوق العالمية المعولمة وتلك السلسلة من الحركات المؤسسة على الهوية التي تنشأ على هوامشه. واحتمال خطير أن يقع في هذه الحفرة كلٌّ من: الإدارة العامة، الأمّة، الدولة، القيم، الأخلاق العامة، العلاقات الخاصة بين الأفراد والجماعات، وفي اختصار: المجتمع» (ألا تفعل الولايات المتحدة ذلك منهجياً في مجتمعاتنا تدميراً للأمّة والدولة والقيم والأخلاق العامة والعلاقات بين الأفراد والجماعات… والمجتمع؟!).
الطريقة التي يتصوّر بها أسياد رأس المال الأميركيّ المعولم ممارساتهم لا تشكّل بالتأكيد نظرية علمية تسند هذه الممارسات، فلو كانت كذلك لحرمتهم من أي وسيلة للقيام بتلك الممارسات، إذ كانت ستضطرّهم إلى تبيان عن أيّ سوق يتحدثون، وعن عدد فرص العمل التي يُفترض توافرها، وكيف تعمل وإلى مَنْ تذهب المنافع، ومَنْ يكون موقع استغلال، ومَنْ تقتل وإلى أيّ حدّ تلوّث الجوّ، ومَنْ هم المخدوعون بحقيقة أهدافها. إن إيديولوجية المسيطرين المفروضة على الخاضعين لسيطرتهم لا تكذب على هؤلاء فحسب بل تُخضع أيضاً أولئك الذين يعملون على نشرها كإيديولوجيا «نبيلة»، فالليبرالية الجديدة (النيوليبرالية) تستخدم بإفراط كلمة «حرية»، إذ لا حواجز بين البلدان والشعوب والأفراد، والحرية كاملة لكل فرد، وثمة مساواة في الفرص وإمكانات مفتوحة لسعادة الجميع… فمن لا يوافق على كل ذلك؟! مَن الذي لا تخدعه تلك الإمكانات الجميلة؟! العدالة الاجتماعية، الأخوّة، الحرية، تكامل الكائنات، العلاقة الأبدية بين الشعوب، الملك العام، النظام المقبول بحرية، القانون الذي يحرّر، الإرادات المشبوهة التي تجمّلها القاعدة العامة… كلها خدع قديمة ترسم ابتسامة على وجوه المديرين الشبّان للمصارف المتعدّدة الجنسية والمؤسسات المعولمة.
يطلق نعوم تشومسكي عبارة «الشخصيات العملاقة الخالدة» على الشركات العابرة للقارات العاملة في حقل المال والصناعة والخدمات والتجارة التي تحكم العالم راهناً، ويرى نقيضها في الأشخاص الذين هم من لحم ودم. لا تقود «الشخصيات العملاقة الخالدة» أيّ معركة فكرية ولا تواجه مثقفين في المناقشات ولا نوّاباً في البرلمان، ولا كاتبي افتتاحيات أو مقالات ولا مجادلين غاضبين في أعمدة الصحف. صمت وكتمان مطلقان، رفضٌ للردّ، وعملٌ في الظلّ. فـ«الشخصيات العملاقة الخالدة» لا تكرّس نفسها إلاّ لنشاط واحد هو البحث عن الربح الأعظم في أقصر وقت. لا تعمل على إقناع أحد، ولِمَ عليها أن تفعل ذلك؟ فالسيطرة على الأسواق وعلى أجهزة الإعلام التي لا غنى لها عنها لكسب الرأي العام هي في قبضتها. ولِمَ التعب وإقناع المتردّدين؟ ولِمَ شرح فلسفتها في تغيير العالم ما دامت بديهية وتدخل في طبيعة الأشياء؟
إمبراطورية رأس المال المعولم تكاد تكون غير مرئيّة. فالشخصيات «الخالدة» هي شركات مساهمة. والواقع أن الجريمة تفترض وجود مجرمين ولا يمكن رفع شكوى إلا ضدّ أشخاص من لحم ودم، ولكلّ قاتل وجه يمكن التعرّف عليه. أمّا «الشخصيات العملاقة الخالدة» فلا يمكن أن تُستدعى للجلوس في كرسي الاتهام في أيّ محكمة دولية.
بشركاتها الكبرى المسيطرة وغير المرئيّة، وبإيديولوجيا رأس المال المعولم في خدمة النيوليبرالية، ترمي الولايات المتحدة إلى خصخصة العالم (عبر تفكيك الدول والحكومات) وإخضاع السوق لسيطرتها الأحادية.

