يستيقظون قبل الصباح ليرفعوا الستائر عن وجه الشمس… يحملون ضوءها بأكفهم إلى مسار الأرض… يتأبطون همومهم ومرارة أيامهم وكمية من بضاعة صارت جزءاً من أجسادهم.. يفتحون أبوابهم القديمة، فتصدر صريراً من الصدأ وكأنه أنين زمن من الإهمال… ويخرجون… لتبدأ رحلة السير اليومية على أرصفة الخبز البعيد… منهم من يجر أثقالاً من العمر.. وجسداً أنهكته السنون.. وينطلق. ومنهم من يحمل إعاقته فوق جسد مريض. ومنهم من لا يستطيع حتى أن يحلم (برفاهية) الأنين.. تألّفوا مع لهيب الشمس وصقيع الشتاء.. لم تعد زخات المطر تخترق عظامهم.. فلا وقت لديهم للوقوف في محطات الفصول… تمتد الشوارع تحت عجلات أقدامهم.. تنهب الإسفلت الذي أكل جزءاً منها.. أحياناً تشتمهم أنفاسهم اللاهثة لشدة شقائها معهم.. حواسهم دائماً مستنفرة لالتقاط إشارة مناداة قد تحمل لهم الرزق.. ينادونهم بأسم بضاعتهم أو بألقابهم الموروثة.
حكايا وحكايا
يقف الزبون وتبدأ مرحلة المساومة على السعر.. وينطلق سيل من (الحلفان) بالله والأنبياء وكل الكتب السماوية وبأولادهم لأقناع الشاري ان السعر مناسب ليس فيه الا القليل القليل من الربح… تتكرر حكاية البيع والشراء وتضيف إليهم مزيداً من القهر والتعب. سقف حلمهم التخفيف من ثقل ما يحملون وتعويضه بشيء من المال.. قد يشتري ربطة خبزٍ أو دواء أو كتاب.. يا لقناعتهم التي هي الشكر والحمد لله على ما أنعمه عليهم في يومهم حتى لو كان هواء يتنفسونه ليبقوا أحياء…
إنهم الباعة المتجولون…. الذين نراهم في الأحياء والساحات والشوارع.. ولكن لم نحاول مرة واحدة أن نتساءل هل هذا العمل المضني يكفيهم ويسد حاجتهم وحاجة عائلاتهم.. ما هي تفاصيل معيشتهم التي يعجز عنها أي إنسان في زمن الغلاء والإهمال وفي ظل انهيار القيم والإنسانية؟ هل سألنا أنفسنا ماذا وراء هذا الإنسان من حكايا؟ وما سر سباقه مع لقمة العيش؟ تلك اللقمة الأغلى ثمناً على الإطلاق.. لأنها مغمسة بالدم والعرق.. والشرف.
حكايا، وحكايا، تختبئ وراء هؤلاء الباعة، وكلها مؤلمة وحزينة…
التقيت بالكثيرون منهم، وكانت حكاياتهم متشابهة، فالبؤس له وجه واحد لدى كل البشر….
بائع اليانصيب
بائع اليانصيب: يحمل على كاهله 67 عاماً، وألماً من جراء عملية استئصال ورم من رئتيه، ويحمل أوراقه ويسير يومياً عشر ساعات.. لقاء عشرين ألف ليرة أو أقل، لديه أولاد يعانون البطالة والفقر بسبب سوء الوضع المعيشي والغلاء، وهو بحاجة للدواء والعلاج، لذا عليه أن يعمل بكد لتأمين ما يبقيه، على الأقل، حياً …..
سألته: ماذا تحلم الآن؟ قال لي: أحلم بأن أكون في غرفتي وعلى سريري فقط….!!
بائع المحارم
شاب في الخامسة والعشرين من العمر، ولكنه لشدة هزاله وضألة جسده تظنه في العاشرة، بسبب إعاقته الجسدية… اقتربت منه وكانت تقف سيدة تجادله على ثمن كيس المحارم، وتهز يدها بأساورها الذهبية وخواتمها ذات الحجم الكبير… وهو يتلو القسم وراء الاّخر بأنه لا يبيع أغلى من غيره… لاحت مني التفاتة فوجدت قدمه المعاقة يسيل منها الدم، قال لي ووجهه ينبض بالوجع: لقد مشيت على قدمي كثيراً وهي ملتهبة، إنها بحاجة للراحة والدواء.. ولكن أختي المريضة لا تنتظر… عرفت منه أن أهله ماتوا منذ سنوات، وعنده أخت مقعدة أكبر منه، ولا معيل لهما، أنه يعمل ليؤمن لها حاجياتها من دواء وغذاء رغم إعاقته… ليس لديه هوية، إنه مكتوم القيد، جاء أهله منذ عشرات السنين إلى لبنان وماتوا غرباء، وهو سيكمل مشوار الغربة في وطن أهله فيه غرباء، فكيف الغريب؟؟؟…
البائع العجوز
رجل عجوز في الثمانين من العمر وربما أكثر، يعلق في عنقه صندوقاً صغيراً، يضع فيه إبر خياطة، خيطان، مقصات أظافر، أقلام، وغيرها من الأشياء الصغيرة التي خف حملها وخف سعرها.. يسير ببطء شديد وكأنه طفل في بداية مشيه… دون أن أشعر وجدت نفسي أسأله: أين أولادك؟ لماذا يتركونك تعمل وأنت في هذا العمر؟ وليتني لم أسأله كان جوابه دمعة سالت كالجمر على وجه ترك الزمن كل بصماته الحزينة عليه…. وقال: كان لي أربعة أولاد وبنت وزوجة ومنزل، قتل ثلاثة من أولادي مع والدتهم في الحرب الأهلية، واختفى اثنان، لا أعرف عنهما شيئاً حتى الآن، ومنزلي دمر، ومنذ ذلك الوقت أعيش لوحدي، أدور في الشوارع فربما التقي بأحد أبنائي، وأبيع بعض الأشياء حتى أحصل على قوت يومي، و…. شكرا لله على نعمته….
بائع السمك
في الخمسين من العمر، مهنتة ورثها عن والده ، يذهب قبل الفجر لجلب أسماكه، وترتيبها مع كميات من الثلج، ويبدأ مسيرة النهار المضني مع عربته التي صارت جزءاً منه… دائماً. هو في سباق مع الوقت خوفاً على بضاعته من أن تفسدها حرارة الشمس، تراه يعمل في تنظيف الأسماك كالآلة، تسحرك أنامله برشاقتها وسرعتها….. لديه عائلة مكونة من ستة أولاد، يعانون البطالة، كبيرهم معوق، يعود اّخر النهار متكئاً على عربته الفارغة ويجر قدميه بتثاقل من شدة التعب، يعود مع ما جناه من عمل النهار، الذي لا يكفي ثمن طعام لعائلته.. فأين بقية متطلبات الحياة الأخرى؟ سألته ماذا يتمنى من الحياة؟ فقال: "الصحة وغرفة تكون ملكي آوي فيها عائلتي وأرتاح من دفع الإيجار".
قصصهم ومعاناتهم لا تنتهي ومع كل حكاية سطورمن المآسي تكبل حياتهم بأسلاك من القهر والدموع…

