لا أعلم ما اذا كان اللبنانيون سيخرجون بدروس وعِبَر من الزيارة التاريخية فعلا للبابا بينيديكتوس السادس عشر للبنان. ولا اعلم ما اذا كانوا قرأوا جيداً ما قاله في محطاته المتعددة، ام سيعودون اليه لاحقا. لعل الاجمل مما قاله لمن لا يقرأ، كان الصورة الزاهية التي نقلها الاعلام المرافق للبابا عن لبنان الى العالم، وفيها صور من الازدهار الامني والاقتصادي والاجتماعي، والاهم التعايش بين اللبنانيين في صيغة فريدة ركز عليها الحبر الأعظم، داعيا الى تمتينها والمحافظة عليها، لجعلها نموذجا للعالم الذي تتكاثر فيه الثقافات والحضارات، ويزداد الاختلاط ما بين أبناء الديانات والمذاهب، ومعه تتضاعف تحديات العيش معا. ولم يعد الأمر يقتصر على منطقة الشرق الاوسط مهد الديانات السماوية، بل بلغ التحدي كل بقاع الارض، بعدما انطلق المارد الآسيوي في اتجاه العالم حاملاً ثقافته ودينه وتقاليده التي غزت شعوبا كثيرة، وبعدما أتاح انتشار مفاهيم حقوق الانسان لمجموعات دينية وعرقية وسياسية العمل بحرية في معظم الأمكنة من العالم.
إذاً في الرسالة بل في الرسائل التي حملها البابا الى لبنان، اضافة الى نبذ العنف، واستئصال الأصولية لان نتائجها كارثية على الجميع، المحافظة على التوازن اللبناني الدقيق والذي لا يستمر من دون ارادة مشتركة من الجميع، وخصوصا الشباب الذين عهد اليهم البابا في مستقبل لبنان. لا اعلم ما إذا كان البابا، مثل كثيرين منا، يائسا من الطبقة السياسية الحالية، المكلسة بمعظمها، والتي تمنع التغيير خوفا من ان يطيحها، لذا عهد الى الشباب في مستقبل لبنان ليبنوه معا فيطوروا صيغة المشاركة الحقيقية لكل المجموعات المكونة للمجتمع. واذا نجحت تلك الصيغة المطورة فيمكن جعلها مثالا يحتذى لكل المجتمعات المتعددة.
ودعا البابا الشباب الى عدم الهجرة المأسوية لأن نتائجها ايضاً غالباً ما تكون كارثية عندما تصبح هرباً وليست خياراً استراتيجياً واضح المعالم. وهذا ما يصيب الكثيرين من الشباب اللبنانيين الذين يصطفون امام أبواب السفارات يطلبون المجهول.
وتحدث البابا ايضا عن ايجابية الانتفاضات العربية لأن شعوبها تنشد الحرية وتسقط انظمة ديكتاتورية، على نقيض ما يروج من ان الكنيسة المسيحية تقف ضد الثورات. لكن التغيير يحتاج ايضا الى التعقل والى نبذ العنف سبيلا له.
هكذا يمكن النظر الى فكر واضح في الكنيسة يرسم مساراً صحيحاً لمسيحيي الشرق الأوسط اولا، وتحديدا لكاثوليكييه، ولكن من الضروري للمجموعات الاخرى ألا تستثني نفسها من التعاليم ومضمون الارشاد الرسولي لانه نص اخلاقي ومبدئي بمعظمه، ويتناول الانسان الشرق الأوسطي قبل كل شيء، وعلينا ان نكون كلنا معنيين بكل هم انساني واخلاقي وايماني.

