لوحظ الارتياح الذي كان ظاهراً على رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في الأيام الماضية وحسمه خيار بقاء حكومته، حيث سبق له أن لوّح بالاستقالة عندما ألمح إلى حكومة استثنائية في هذه المرحلة.
فالأوضاع الحكومية كانت وصلت إلى حافة الانفجار من الداخل في ظل الخلافات بين مكوّناتها، إضافة إلى تهميش رئيسها خلال زيارته إلى مكة، حيث لم يستقبله أي مسؤول سعودي، وعدم زيارته أي دولة خليجية في ظل المقاطعة الدولية للحكومة، واقتصار تواصل ميقاتي مع بريطانيا وبعض الدول بشكل خجول.
من هنا، كثرت التساؤلات عن الأسباب التي دفعت بميقاتي إلى شرب "حليب السباع" دفعة واحدة، ومن ثم دفع العجلة الحكومية إلى الأمام وتحريك العمل الوزاري، علماً أنّ الرئيس نبيه برّي كان انتقد الحكومة بعنف حاملاً عليها، ممّا أدى إلى جفاء على خط عين التينة ـ فردان سرعان ما بُدّد وعادت الأمور إلى مجاريها.
وفي هذا السياق، تشير معلومات بالغة الأهمية إلى سلسلة لقاءات حصلت بعيداً من الأضواء على خطوط حارة حريك ـ فردان ـ عين التينة والرابية، باعتبار أنّ "حزب الله" هو أكثر المتضرّرين من سقوط الحكومة، ولهذه الغاية كلّف الأمين العام للحزب معاونه السياسي الحاج حسين خليل بالتواصل مع الرئيسين ميقاتي وبرّي ومع العماد ميشال عون لتسهيل عمل رئيس الحكومة والحكومة مجتمعة ومنعها من السقوط مهما كانت الأسباب والدوافع.
وهذا ما حصل، إذ توقفت حملات عون على ميقاتي وحصل تقارب غير مسبوق بين رئيس الحكومة والوزير جبران باسيل، وبات ميقاتي لا يترك مناسبة إلّا ويرسل خلالها إشارات ودّية إلى عون وصهره. في حين، وبعد عودة برّي من إجازته في اليونان، زاره رئيس الحكومة مؤكّداً عمق العلاقة التي تربطه برئيس المجلس النيابي.
أما الأهم، فعلى رغم لقاء النائب وليد جنبلاط بالرئيس سعد الحريري في باريس واعتباره أنّ العلاقة بينه وبين آل الحريري نضالية، فقد عُلم أنّ استقالة وزراء "الإشتراكي" من الحكومة لم تُطرح في اللقاء، وأكّد جنبلاط أنّه دخل مع ميقاتي إلى الحكومة سوياً وسيخرجان سوياً.
وبالتالي يُدرك "حزب الله" جيداً أنّ جنبلاط لن يستقيل من الحكومة مهما كانت الظروف، ولهذه الغاية عندما هاجم رئيس التقدّمي مثلّث المقاومة والجيش والشعب وانتقد "حزب الله" ضمناً، فإنّ الحزب لم يردّ عليه لإدراكه خلفية مواقفه، وما يهمه في هذه المرحلة هو استمراره في الحكومة.
لكنّ المعلومات تؤكّد أنّ هذا الالتفاف من مكوّنات فريق 8 آذار، وفي طليعتهم "حزب الله"، على الحكومة ورئيسها، ليس المُعطى الذي أبقى الحكومة قائمة ومستمرة ودفع رئيسها إلى تأكيد بقائها وبشكل استهزائي من الفريق الآخر، أي 14 آذار.
بل هناك أجواء تشير إلى غطاء دولي يُبقي الحكومة الميقاتية في هذه الظروف، خوفاً من تحويلها حكومة تصريف أعمال، وصعوبة تشكيل حكومة جديدة في ظل الظروف الصعبة في لبنان وسوريا. لكنّ تعاطي المجتمع الدولي، وتحديداً واشنطن وباريس مع الحكومة، سيبقى في الإطار البروتوكولي، بعيداً عن الدعم السياسي والمالي الذي كان يحصل مع الحكومات السابقة.
وترى جهات ديبلوماسية رفيعة أنّ استقالة الحكومة في المرحلة الراهنة قد يُحرّك الشارع ضمن الفراغ الذي سيحصل، وأنّ جنبلاط متخوّف من هذا المنحى، ولذلك لا يُقدم على الاستقالة.
ويبقى أخيراً السؤال، في حال بقاء الحكومة حتى الانتخابات النيابية المقبلة، هل سيقبل فريق 14 آذار بذلك، علماً أنّ المذكرة التي رُفعها إلى رئيس الجمهورية عشية معاودة جلسات الحوار، تضمّنت بنداً أساسياً يدعو إلى تشكيل حكومة حيادية. وبالتالي يُلاحظ أن حملات المعارضة على الحكومة خفّت بعض الشيء وليس هناك من مطالبة باستقالتها.
وفي هذا الإطار تكشف أوساط عليمة في 14 آذار أنّ الأوضاع ليست متروكة، ولا تواصل مع أي من مكونات الحكومة، بل ثمّة ترقّب للوضع السوري وتداعياته، إضافة إلى المستجدات الأخيرة، ولا سيما ملف سماحة ـ المملوك، وما طرأ عليه من معلومات جديدة عن اللواء جميل السيد، ذلك أنّ هذه المعطيات كفيلة بتحديد مسار المرحلة المقبلة ليُبنى على الشيء مقتضاه، ومن ضمن ذلك استقالة الحكومة والبحث عن حكومة حيادية، الذي يبقى مطلباً قائماً لدى المعارضة و14 آذار.

