تأتي زيارة الحبر الأعظم للبنان في هذا التوقيت تحديداً للتأكيد على دور مسيحيي الشرق الأوسط في محيطهم، وتكريساً لنموذج لبنان التعايش والحرية، الصامد حتى الساعة، في بيئة دفعت الغالي والرخيص من أرواح أبنائها لتطأ قدميها أولى عتبات معبد الحرية، ولتنعم شعوبها بالتعايش وقبول الآخر، تحت ضغط الإرادة الحرة للسلام والاستقرار، وليس بفعل قمع الأنظمة وتحكمها بمصير جمهورها وإرادته!.
أما أهمية دور مسيحيي الشرق الأوسط فليس محصوراً في بيئتهم، بل يتعدى جوهره الحدود الجغرافية، ليخترق الفكر الغربي، الغريب عن الفكر الإسلامي الحقيقي وحدود الممارسات التي تجيزها عقيدته، بما شرعت حرية المعتقد عند الآخرين، شرط ألا يتعدوا على المعتقدات الإسلامية، وهي سابقة أطلقت مبدأ قبول الآخر والعيش المشترك في وقت كان السيف سيّد الكلمة، والنصر يعني استباحة المهزوم بكل ما يملك والبطش به.
إن الدين الذي اعترف بما سلف من أديان وأنبياء، وأمر بالعيش بسلام جنباً إلى جنب مع اليهود والنصارى، شرط أن يحترم كل طرف معتقد الآخر وممارساته، لا يمكن أن ينادي بالحقد والعنف والتطرف بغية إلغاء الآخر… وهذه فكرة ممكن أن ينجح اللوبي الإسرائيلي الناشط في الغرب في تضليل الرأي العام الأجنبي حولها، شعوباً وإدارات، خاصة في ظل الغيبوبة التي أصابت المؤسسات العربية، فمنعتها من العمل على تسويق فكرها الصحيح، وتقريب وجهات النظر، وصولاً إلى علاقة ندية شفافة واضحة، توحد الرؤى والمصالح مع الغرب في إرادة مكافحة العنف والإرهاب القادم من مختلف بقاع العالم، والذي لا يعرف ديناً ولا هوية، بل أنظمة تحركه وتغذيه خدمة لمصالحها وتحالفاتها الضيقة!.
أما مسيحيو الشرق فهم أدرى النّاس بحقيقة الإسلام والمسلمين، وهم يعرفون حق المعرفة من ابتدع التطرف، ومن رعاه، حتى كبر الوحش لِيَلْتَهِمَ صاحبه.
إن الصراع في الشرق الأوسط لم يكن يوماً بين مسلميه ومسيحييه، بل هو أولاً وأخيراً بين العرب وإسرائيل التي لم ولن تألوَ جهداً لتبقي سيطرتها على مسار الأمور، ملبسة ثوب الفتنة لصغار العقول وضعفاء النفوس حتى يحركوها في بقاع هذه المنطقة بهويات مختلفة، موهمة المسيحيين باستمرار أنهم في خطر كونهم «أقلية»! إلا أن التجربة أثبتت أن هذه الاقلية لطالما كانت موضع مراعاة وأن الانتماء، اللهم إلا في لبنان، كان دوماً للوطن وليس للطائفة ولا المذهب، فلا الأقباط ولا الآشوريين ولا مسيحيي الأردن أو سوريا أو فلسطين اعترفوا يوماً بغير أوطانهم كهوية حقيقية لهم، ولم يكن الاضطهاد الطائفي الدافع لقيامة الربيع العربي، بل التوق إلى الحرية والديمقراطية، التي كان القرآن أوّل رسالة إلهية تنادي بهما في نص واضح وصريح، هو الدافع الأساسي لهذه الثورات، حيث وقفت هذه الشعوب، بمختلف أديانها وطوائفها، جنباً الى جنب في مواجهة أنظمة طاغية وبالية لم تعد الكرامة الإنسانية قادرة على تحملها.
أما العراق، فبصمات العدو التخريبية والتفتيتية واضحة في اختلاق حرب طائفية سنيّة – شيعية في وطن حاربت هاتان الطائفتان بعراقييها المدّ الإيراني تحت راية العراق ولا دافع غير الوطن.
أما سياسات التهجير الحاصلة في بعض الدول التي لم تصل إلى بر الأمان بعد، فهي بالتأكيد ليست صنيعة مسلميها الذين يحاولون المحافظة على مكونات أوطانهم، بغض النظر عن لونها ودينها، بل هي جهود كل من يحاول تقسيم هذه الدول، وإضعافها وضرب وحدة شعوبها التي شكلت في السابق مصدر قوتها، وهو هدف إسرائيلي بامتياز، حيث تحاول الدولة الصهيونية البقاء كطرف أقوى في محيطها، محدثة اضطرابات في المنطقة العربية، إلى جانب محاولتها المستمرة في تشويه صورة العرب والمسلمين عامة.
إن زيارة البابا للبنان هي الحدث الأبرز في هذه المرحلة، والذي نجح إلى حدّ ما في توحيد الجهود لتوفير الأمن والاستقرار إنجاحاً لهذه الزيارة ومراعاة لمقام الزائر الكبير.
ولكن هل سيضع السينودس يده على الجرح الحقيقي في المنطقة ويلعب الدور المنشود، والذي فشلت الدول الكبرى فيه، بسبب انحيازها للدولة الصهيونية ضد جيرانها، فيدعو إلى تفعيل الحوار على أسس المساواة وليس شروط الأقوى، وتشجيع التوصّل إلى السلام العادل والشامل الذي باتت كافة شعوب هذه المنطقة تنشده؟.
فهل ينجح مسيحيو لبنان في إيصال حقيقة الصورة إلى الحبر الأعظم، حيث لا شكوك في أسس العيش المشترك بينهم وبين المسلمين… فالصراع هو بين سياستين وتيارين يتلاعبان في الشرق الأوسط برمته روسي ايراني/اميركي اوروبي… حيث لكل جمهوره من مختلف الأديان، والخلاف فكري سياسي، وليس عقائدي ديني، ولبنان أكبر شاهد عليه حيث الاصطفاف بين 14 و8 آذار يجمع السنّة والشيعة والموارنة والروم والدروز جنباً إلى جنب من كل جهة من المتراس!.
على أمل أن تحقق هذه الزيارة السلام وتحل بركة البابا على أبناء الوطن الصغير والشعوب المعذبة المحيطة به، تتعدد الحروب والصراعات… ويبقى العدو الإسرائيلي واحداً بكل روافده من أنظمة وتنظيمات يبرع في التلاعب بها وتحريكها ضد الاستقرار، ومنع السلم الأهلي والإقليمي على حدّ سواء.

