لا تأثير يضاهي التأثير الروحي الكبير الذي يخلقه الدين في نفوس الشعب، ولا قدرة توازي قدرته على تحريك العواطف والانفعالات والغرائز في أقصى طاقة ممكنة.
لا نلحظ تراجع النفوذ الديني الا في المجتمعات التي انتشر فيها العلم وعمّ الوعي العلمي لدى مختلف فئات المجتمع، ما أعطى الأولوية في الحوار والنقاش للعقل ومبادىء المنطق والمناهج العلمية التي تقول بالحقائق النسبية لا بالحقائق المطلقة، وتدور فيها حوارات حقيقية في مختلف ميادين المعرفة، ولا نرى فيها تمترساً في خنادق الحقائق المطلقة، كما في المجتمعات المتخلّفة حيث «تتمترس» القبائل وراء حقائقها المطلقة في الدين والطائفة والمذهب والسياسة وكل شيء.
لم يلغ الدين في المجتمعات المتقدمة لكنه فصل عن الدولة ولم يبقَ فاعلاً في ميدان السياسة مثلما كان في السابق، ولم يعد هناك إكراه سياسي أو اجتماعي لاعتناق دين معين وممارسة طقوس معينة. لم يظلّ الدين فاعلاً في الصراع السياسي الداخلي في المجتمعات المتقدمة، بل إن القوى الاستعمارية أتقنت توظيفه في البلدان التي استعمرتها ولا تزال تتقن توظيفه خارجياً خدمة لمشاريعها في الهيمنة .
تدرك الدول الكبرى أهمية الوحدة الاجتماعية لديها فتمنع قيام أحزاب سياسية ذات توجهات انفصالية او تقسيمية على أساس عرقي أو ديني او مذهبي. لكن سياساتها الخارجية هي على عكس سياساتها الداخلية، إذ عملت وتعمل على تقسيم وتفتيت المجتمعات المستهدفة على أسس عرقية ودينية وقبلية وغير ذلك، وتساعدها في ذلك أحزاب وتيارات دينية نشأت تحت رعايتها واهتمامها بشكل مباشر ومن خلال وكلائها المحليين .
أدرك تجّار الدين منذ نشاة الأديان تأثير الدين في الشعب فاستغلوا الشعب باسم الدين الى أقصى حدود الاستغلال. وهذا الاستغلال لا يقتصر على دين معيّن أو مكان معيّن أو زمان محدّد بل يشمل جميع الأديان.
باسم الدين ترتكب جرائم وفظائع وابادات لا ترتكبها القبائل المتوحشة ولا أكلة لحوم البشر.
ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها الدين لأغراض لا تمت إليه بصلة، لا بل هي غالبا على النقيض من وصاياه وتعاليمه. ويشهد التاريخ على صراعات وحروب مدمرة باسم الدين ووقعت بين أبناء الدين الواحد والمعتقد الواحد أكثر مما جرت مع الآخرين. وما كانت نتيجة تلك الحروب غير الدمار والخراب وعودة المجتمع قرونا الى الوراء؟
هل ثمة عاقل في العالم يظن ان الله يأمر بالقتل والذبح والنهب والسلب لنصرة دين ما؟
ممارسو هذه الجرائم مجانين ومهووسون ويجب أن يوضعوا في مصحات عقلية ونفسية، أما الذين يفتون بهذه الأعمال القذرة ويرسلون هؤلاء المجانين لتنفيذها فهم المجرمون الحقيقيون، الذين يجب إعدامهم في الساحات العامة.
في اليهودية تذكر التوراة كيف كان أبناء «عالي» رئيس الكهنة يستغلون نفوذهم لمضاجعة النساء الآتيات للعبادة.(1صموئيل22:2).
وفي الانجيل يصف السيد المسيح كيف يستغلّ رجال الدين نفوذهم ومناصبهم وكيف يحملون الشعب أحمالا ثقيلة وهم يرفضون حملها (متى23)
باسم الدين حرّض رجال الدين اليهود جماعاتهم على صلب المسيح، وباسم الدين والادعاء بامتلاك الفهم الصحيح والحقيقة الكاملة حصلت الانقسامات وحصل الاقتتال وحصلت المذابح بين أبناء الدين الواحد.
الأديان هي ثورات اجتماعية إصلاحية في مواجهة أوضاع سيئة مظلم وظالمين، لتؤكد على الوحدة الانسانية وعدم التفرقة بين البشر وعلى قيم المحبة والرحمة والمساواة. لم تأتِ أي رسالة لتنشىء طوائف أو لتعزل البشر بعضهم عن بعضهم الآخر، بل لترتقي بالأخلاق ولتكسر الحواجز القائمة بين الناس والمبنية على مختلف اشكال العنصريات الدينية والعرقية وغيرها. «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات : 13).
المنافقون هم الذين يكذبون بالدين ويحوّلونه الى تجارة رابحة مستغّلين طيبة الناس وجهلهم فيسخرّونهم لتحقيق شهواتهم وأطماعهم .
الإيمان الفطري عند الناس ليس في حاجة الى علماء وفلاسفة ومنظرين .
الناس بالفطرة يقولون :ما تحب لنفسك أحب لغيرك، وما تكره لنفسك اكرهه لغيرك، والدين هو المعاملة.
الدين يظهر في المعاملة وليس في التنظير ولا في المحاضرات والخطب. نستدل على المؤمنين حقاً من خلال رقيهم النفسي والأخلاقي والعملي الذي يظهر في السلوك والتعامل مع كل الناس، وحتى مع البيئة الطبيعية ومع الحيوانات. ولا نستدلّ على إيمان أحد من خلال مؤلفاته وكتبه وندواته.
يمكن استخدام الدين إيجابيا في مواجهة الظلم والظالمين، لكن الاستخدام الأبرز للدين هو في الاتجاه السلبي الذي يفرّق ولا يجمع، ويفيد الظالم ولا ينفع المظلوم.
توظيف الدين في الصراع السياسي ذو خطورة كبيرة بسبب اعتماده على المقدس، إذ يشحن الانسان بالطاقة القصوى التي غالباً ما يتم دفعها في الاتجاه الخاطىء. والجمهور الذي يُستغلّ دينياً هو جمهور معطّل العقل، مسلوب الإرادة، أشبه ما يكون بالمنوّم مغناطيسياً. والمستفيد من استخدام الدين في السياسة فئة قليلة من تجار الدين باعت نفسها للأجنبي وللشيطان لأجل حفنة من الدولارات والريالات والدراهم.
الدين أداة تلاقٍ وتسامح وانفتاح ومحبة بين جميع الشعوب لا أداة نزاع وخصام ولا وسيلة لشحن الأحقاد وإثارة الغرائز، ولا يمكن أن يكون فقهاً للقتل والذبح والإجرام. اذا كان الدين يجمع فقط المتشابهين في العقيدة والمذهب والطريقة، فبمَ يختلف عن العصابة التي يتشابه اعضاؤها سلوكاً وهم متضامنون في ما بينهم ولا يبيحون دم وممتلكات إلاّ من هم خارج الجماعة والمرتدّ منهم.
المتاجرون بالدين يتاجرون بدماء الشعب المسكين. إنهم المنافقون الذين لا يعبدون الا المال ولا يتبعون إلا أهواءهم وشهواتهم. إنهم عبيد الأجنبي وأزلامه ولا دين لهم ولا وطن.
اسألوا من أين لهم تلك الثروات وذاك المال الحرام ؟

