هكذا يأتي في كل مرّة، مرتدياً قناعه القاتم، ليرحل بهم بعيداً جداً حيث لا طائرة تدركهم ولا مركبة فضائية. يرحل بهم أمام أعين عاجزة، حتى عن الرؤية، وقد أغشتها الدموع الحاقدة على حتمية القدر.
هكذا يرحلون، بصمت صاخب، إلى أجل غير مسمى. هكذا يرحل الآباء دوما.. فيغسلون بدموع الأحبة ويكفنون برموش العيون ويدفنون في القلوب على ألحان حزن مزمن تتلاعب به عقارب الأيام، على أمل أن نلقاهم في عالم تسقط فيه الأقنعة ويُبعد عنه ذلك الخاطف قسراً.
شاء القدر أن أكون على معرفة وثيقة ببائع صحف كنت أستيقظ على هدير دراجته النارية في الصيف، ودوي الرعد حين يخرج في الشتاء. تكاد صورته لا تفارقني مع كل قطرة خير تدلفها السماء، مع رذاذ البرد عندما كان يهوي عن بذلته العازلة للماء، والمطر الذي كان يسري كالجداول بين حدة ملامح وجهه الملائكي الذي تعلوه ابتسامة جبارة متشققة، وبين أصابع يده المتورمة احمراراً.
كنت أكره الشتاء وخيره، أمقت كل نقطة مطر ستترك أثراً على يديه وشفتيه، وأسأل الله دومًا أن ينزله دفئاً عليه. ومع تسليم آخر صحيفة، كان يوم بائع الصحف يبدأ. فيبدل ملابسه المبتلّة بفعل المطر أو الحرّ، ويذهب إلى وظيفته في الوزارة. في كل مرة كنت أسأل فيها ذلك الرجل عن عمله هناك كان يجيبني بكلمتين: "بخلّص معاملات".
لم يكن من السهل على عينيّ الصغيرتين تصوّر ماهية ذلك العمل، إلا أنني كنت أعي أنها من أكثر الوظائف تواضعاً في حفظ كرامة الإنسان. كان عليّ التكتم بشأن الوظيفة الأولى، رغم أن وظيفة الدولة "لا تُشبع الشرفاء ولا تغني عن جوعهم"! وغالباً ما كان له عمل ثالث حسبما تيّسر.
لطالما علمت أن ثمة وظيفة رابعة كان يشغلها منذ الأزل. ذلك الرجل الذي حكمت عليه الحياة بأن يتحسّر على محفظة الدراسة وعلى طفولة ضاعت قبل أن تنشأ، كان محارباً شرساً بسلاح فطري هو الإرادة الصلبة. الطفولة المسلوبة والمراهقة الواعية لم تكفيا لاختبار صبر أيوب، حيث اقترن شبابه بالمرض إياه، ذلك الذي بدا لي جذاباً عندما علمت أنه برجه الفلكي، وبشعاً عندما صار مرضه المزمن.
هنا عادت الحرب الضروس، واحتدمت المعارك من جديد، مع عدو جديد، فأصبحت المعادلة "إما أنا أو أنت يا مرض". أربعة عشر عاما بات فيها الجسد ساحة حرب. وكان، كلما ازدادت المعارك احتداماً، ازداد إيمانًا وقناعة بأنه سيغلب المرض لا محال، فهناك من ينتظره ويتحرق شوقاً لضمّه بعد كل معركة. والجبّار الذي انتصر في المعركتين الكبيرتين، شيّد من جسده، على أنقاض القهر، سفينة أبحرت بأحبابه إلى بر الأمان قبل أن يقدم استقالته من أكثر الشركات إجحافاً وأقلها عدلاً بحق الإنسان.. الحياة.
ذلك المحارب كان على يقين أن القادر على إحياء العظام وهي رميم لن يتخلى عنه طوال درب الجلجلة. فتوكل على الله، واستمد قوته من عقيدة صلبة، حب زوجة مخلصة وستة أبناء متفوقين. وهو منذ أن أصبح زوجاً فأباً، نذر حياته لمن حملوا اسمه ودمه وفكره وحبه، لمن باتوا بضعة منه. حرص على أن يتمموا أفضل تعليم أكاديمي، علّمهم كيف تنبت الأرض العاقر، كيف يحولون مرارة الصبر حلوى، كيف يصبغ السواد ربيعاً، كيف يصبح الضعف قوة. استنزف نفسه حتى آخر رمق وآخر نفس لأجلهم. ومات ليعيشوا…
ست سنوات مرّت على رحيله. سريره لا يزال فارغاً إلا من ذكريات السنوات الأخيرة التي نشأت في هذا المكان، الطاولة بجانب سريره فارغة من أي دواء أو كوب ماء، والدراجة النارية ترقد في العتم. فبائع الصحف لم يسلم الأخبار طازجة مذ ذاك. ست سنوات وذكرى المحارب لم تفارق أبناء المنزل الصغير أينما ذهبوا. ست سنوات مرّت ولا أزال أذكر تلك النظرة التي ودّع بها مريم، زوجه، عندما نادته للمرة الأخيرة. رحل ولم يرحل، لأنه سلّم السيف واللواء إلى ابنه البكر. لم تجنح السفينة يوماً، ولن تجنح ما دامت تباركها مريم، وما دامت اليدان المتشققتان وكأنهما تقمصتا يدي الربان حسين، وما دامت قلوبهم تضخّ دمه الطاهر. تراهم ينطلقون زارعين لواءه في ساحة كل معركة منتصرة.
أمّا أنا فتصالحت مع الشتاء..

