إنفجار قارورة تحوي عشرين كلغ من مادة الـ C4 الشديدة للانفجار أثناء زيارة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي عكّار، وسلسلة انفجارات بعبوات ناسفة.. قتلى وأشلاء في الشوارع، سيّارات الإسعاف تسرع لنقل الجرحى إلى المستشفيات، القوى العسكرية والأمنية تهرع إلى مسارح الجرائم، الناس مذهولون ومرعوبون ممّا يشاهدون من نقل مباشر على شاشات التلفزة… تبدأ ردّات الفعل: قطع طرق وإحراق دواليب وإقامة حواجز مسلّحة وخطف وإطلاق نار…
هذا المشهد كان مخطّطاً أن نعيشه اليوم لو لم يرفق الله بهذا الوطن وشعبه ويمكّن فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي من كشف المخطط وإحباطه قبل أن يُنفّذ.
كلّ المؤشّرات كانت تُنذر بفتنة يُهيّأ لها في الشمال، وكلّ السيناريوات والاحتمالات كانت متداولة، إلّا أن يتولّى وزير إعلام سابق هذه المهمّة، خصوصاً وأنّ اسمه لم يرتبط على
مدى سنوات الحرب الطويلة بأعمال أمنية سوى ما ذكره مرافق الياس حبيقة في كتابه أنّه، أي الوزير السابق، شارك في محاولة اغتيال النائب وليد جنبلاط عام 1983.
ثلاثة أسئلة اختصرت جلسة التحقيق في المحكمة العسكرية أمس.
سأل القاضي رياض أبو غيدا الوزير السابق ميشال سماحة: هل تكرّر أقوالك؟
سماحة: كلّا. إنّني أتراجع عن كامل إفادتي أمام فرع المعلومات.
القاضي أبو غيدا: كيف تتراجع؟
سماحة: أتراجع لأنّ ما هو مكتوب فيها لم أقُله.
أبو غيدا: أعطنا أمثلة.
سماحة: أعطني بعض الوقت.
ثمّ طلب المدّعى عليه أن يقابل ابنته وزوجته، فكان له ما أراد في مكتب القاضي.
مصادر قضائية ترى "أن لا قيمة قانونية للتراجع عن الإفادة لأنّ الوقائع دامغة"، وتستبعد أن يرضخ القضاء للضغوط في هذه القضية الخطرة.
حلفاء سوريا الكبار هابهم المشهد وإن لم يفرحوا للصيد الثمين الذي حقّقته قوى الأمن الداخلي، على رغم أنّه يصبّ في مصلحة كلّ الأفرقاء اللبنانيين الذين لا يريدون للفتنة أن تجد لها مكاناً بينهم، وليس فقط لمصلحة قوى 14 آذار.
وحدها الحكومة في "شراكتها الغامضة"، غامضة في مواقفها وغائبة عن دورها وعاجزة إلى درجة أنّها لم تستطع أن تجتمع لتناقش سياسيّاً وليس قضائيّاً مسألة بهذه الخطورة، خوفاً من أن يتقاتل أعضاؤها على طاولة مجلس الوزراء من جهة، ومن أن تصل "التقارير"، إذا ما فُتحت القلوب، إلى أصحاب الشأن خارج الحدود من جهة أخرى.
إنّ حجّة استمرار الحكومة هي الخوف من المجهول والحفاظ على الأمن والاستقرار في حَدّه الأدنى، والسؤال: هل هناك مجهول أكبر من الذي ينتظر البلد، وهل هناك اليوم حَدّ أدنى من الأمن والاستقرار فيما محاولات الاغتيال تتوالى ومؤامرات التفجير تتهاوى، وخرق الحدود يستمرّ والاشتباكات تتقطّع والطرق تقطع بسبب وبلا سبب؟
محاولات التفجير وزرع الفتنة لن يوقفها اعتقالٌ مهما برز، والحرب الأمنية ستستمرّ بين كرّ وفرّ حتى ينجلي النزاع العسكري في سوريا أو تأتي حكومة لا تنأى بنفسها عن سيادتها وأمنها وشعبها.

