في ظل "حبل النار" المشتعل من بغداد الى دمشق وحلب وتخوم الحدود اللبنانية – السورية، سجل امس انتكاسة سياسية بتأجيل طاولة الحوار التي كان من المفترض ان تعقد الجلسة الثالثة اليوم، الى ما يزيد عن ثلاثة اسابيع، اي الى 16 آب المقبل، والمتوقع ان يكون حافلاً بالاحداث الجارية في عموم المنطقة، في ضوء القرار العربي المدعوم اميركياً واوروبياً، بأن المسألة الملحة في سوريا الآن هي انتقال السلطة وخروج آمن للرئيس بشار الاسد مع عائلته بتعهد عربي ودولي.
وعلمنا ان الجلسة المقبلة للحوار في حال انعقدت في موعدها الجديد، ستكون في بيت الدين، حيث سيكون الرئيس سليمان في هذا الوقت في مقره الصيفي، جرياً على عادته كل عام.
واذا كان الرئيس ميشال سليمان اعاد التأجيل الى ما اسماه "الحاجة الى مزيد من التشاور" في بيان شديد الاختصار صدر عن بعبدا، بعدما ابلغه موفده الوزير السابق خليل الهراوي الى كل من الرئيسين امين الجميل وفؤاد السنيورة خلاصة موقفهما منه بأن قرار تعليق المشاركة في جلسة الحوار اليوم لم يتغير، فإن التطور الذي طرأ على الموقف الرسمي من النظام السوري والذي قضى بطلب رئيس الجمهورية من وزير الخارجية عدنان منصور تسليم السفير السوري علي عبد الكريم علي كتاب احتجاج من اجتياز وحدة سورية الحدود وتفجير منزل في منطقة مشاريع القاع، الامر الذي أثار حفيظة السفير السوري الذي ابدى استغرابه معتبراً ان سوريا هي الاولى بالاحتجاج لان مواقعها تتعرض للاعتداء من الاراضي اللبنانية، شكل تحولاً في سياسة الحكم اللبناني تجاه سوريا، والذي يتوقع ان يكون مدار ردود فعل من حلفاء النظام السوري المشاركين في الحكومة وخارجها.
وكادت التداعيات السورية، والتي لم يكن اخرها، اعلان "سرية المختار الثقفي" عن اختطاف خمسة معارضين سوريين لمبادلتهم بالمخطوفين اللبنانيين لدى جهة مسلحة قريبة من المعارضة السورية تم اطلاقهم لاحقاً ان تشغل الساحة الداخلية برمتها، ولو على حساب القضايا العالقة، سواء في الكهرباء التي شهدت منحى تصعيدياً جديداً، او لدى الروابط المنضوية لدى هيئة التنسيق النقابية التي قررت مع موظفي الإدارة العامة السير باضراب اليوم وغداً والتظاهر من البربير حتى السراي الحكومي، في ما يشبه نعي المفاوضات الجارية مع الحكومة التي ذكرت الموظفين بالقوانين النافذة لجهة التوقف عن العمل والاضراب وبأنها لا تعمل تحت الضغط، فيما لم تتمكن اللجنة الوزارية الموسعة التي اجتمعت برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي من التوصّل إلى تسوية في شأن سلسلة الرتب والرواتب، وأرجأت اجتماعها إلى 31 تموز الحالي للوقوف على التوصيات الأخيرة التي سوف تأتي بها وزارة المال، تمهيداً لرفع المشروع إلى مجلس الوزراء.
اما في الشأن السياسي الداخلي، فلم يطرأ جديد باستثناء ما ذكرته مصادر إعلامية عونية أن وساطة النائب سليمان فرنجية بين الرئيس نبيه برّي والنائب ميشال عون تمكنت من تحقيق حلحلة، من دون أن تذكر أية تفاصيل، مشيرة إلى أن الاجتماع الذي عقد بين الوزير جبران باسيل والحاج وفيق صفا من "حزب الله" أنجز تسوية لم تتبين بعد معالمها لقضية المياومين في مؤسسة الكهرباء.
تأجيل الحوار
وسبق إعلان الرئيس سليمان عن تأجيل جلسة الحوار اليوم جولة اتصالات أجراها مع قيادات في 14 آذار، أبرزها مع الرئيسين الجميل والسنيورة، بواسطة موفده الوزير السابق خليل الهراوي، فيما ابلغ رئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط عدم تمكنه من حضور جلسة الحوار اليوم لأسباب أمنية.
وكرر جنبلاط، في موقفه الأسبوعي لجريدة "الأنباء" الصادرة عن الحزب التقدمي الاشتراكي، موقفه الثابت لناحية تأييد استمرار الحوار سبيلاً وحيداً لحل الخلافات السياسية وفق نص الدعوة التي وجهها الرئيس سليمان، الا انه طالب في الوقت نفسه بجلاء كل الملابسات المتصلة بقضية "داتا" الاتصالات، لأنها تتعلق بسلامة جميع اللبنانيين بصرف النظر عن انتمائهم السياسي.
وإذ شدّد على أن أهل الجنوب ولبنان سيبقى مقاوماً بصرف النظر عن مصير النظام السوري، غمز جنبلاط من قناة الأمين العام "لحزب الله" السيّد حسن نصر الله، وقال "كم كنا نتمنى على السيّد نصر الله لو اتخذ موقفاً أكثر انسجاماً مع مساره النضالي وأكثر عدلاً إلى جانب الشعب السوري"، مشيراً إلى أن "من يدافع عن الظلم اللاحق بالشعب الفلسطيني الذي يطالب بحقوقه المشروعة لا يستطيع ان يقف ضد الشعب السوري في مطالبه المحقة كذلك، وكان من الأفضل ألا يجعل أحد رموز القتل والقمع والتنكيل بحق الشعب السوري رفيق سلاح، متسائلاً بتعجب "أولم تكن مصادفة غريبة ومريبة مثلاً أن تتم ترقية آصف شوكت من رتبة عميد إلى لواء في 14 شباط 2005، أي يوم تنفيذ جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري؟!
أما الرئيس الجميّل فلم يقطع إمكانية العودة إلى طاولة الحوار لاحقاً، في ضوء الموقف الذي ستتخذه وزارة الاتصالات من الآلية التي اتفق عليها في اجتماع بعبدا لتسليم "داتا" الاتصالات الى الأجهزة الأمنية، في حين كان الرئيس السنيورة أكثر وضوحاً، إذ أكد مكتبه الإعلامي، أن الصورة التي تكوّنت لديه في ضوء المعلومات التي نقلها الموفد الرئاسي تشير إلى أن آلية تزويد الأجهزة الأمنية "بداتا" الاتصالات غير واضحة، إلى جانب أن هذه "الداتا" هي حق الأجهزة الأمنية لترصّد المجرمين وليست شحاذة من أحد. ولذا فإن الرئيس السنيورة طالب بأن تكون المعلومات عن حركة الاتصالات كاملة وغير منقوصة، وأن توضع بتصرف الأجهزة بشكل تلقائي من دون انتقائية ومن دون حواجز وتعقيدات لكي تتمكن الأجهزة الأمنية من القيام بدورها في حماية البلاد في التصدي للعمليات الإرهابية.
إحتجاج لبناني
في هذه الأثناء، ظلت تداعيات الأحداث السورية في واجهة الاهتمامات، خصوصاً بعدما طال "رذاذ" الاشتباكات بين الجيش النظامي السوري والمعارضة المسلحة الحدود اللبنانية، وتجاوزتها إلى ما وراء الحدود، على غرار ما حصل خلال الأيام الأخيرة، ومساء أمس، حيث أفيد عن سقوط قذيفتين من الجانب السوري على عمار البيكات وتلال القبيات في عكار من دون تسجيل إصابات، وكذلك سقوط عدد من القذائف في خراج الدبابية والنوري وقرية مصلى الشمالية.
هذه الخروقات التي باتت يومية دفعت الرئيس سليمان إلى اتخاذ خطوة وصفت بأنها كبيرة، بالطلب من وزير الخارجية عدنان منصور تسليم السفير السوري لدى لبنان كتاب احتجاج الى السلطات السورية بهذا الشأن، بعدما كان استدعى امس قائد الجيش العماد جان قهوجي الذي اكد له المعلومات عن اجتياز القوات السورية لمشاريع القاع ونسف منزل فيها.
لكن الوزير منصور الذي لم يشأ التعليق على طلب الرئيس سليمان منه، اكتفى باجراء اتصال بالسفير السوري من دون ان يجتمع به ويسلمه كتاب الاحتجاج، كما لم يتبلغ السفير علي بالاحتجاج، لكن ابدى استغرابه لخطوة الرئيس سليمان، معتبرا ان سوريا هي الاولى بالاحتجاج لان مواقعها تتعرض للاعتداء من الاراضي اللبنانية.
المخطوفون
وفي تطور امني متصل، اعلنت "سرية المختار الثقفي" مسؤوليتها عن اختطاف عدد من المعارضين السوريين في لبنان لمبادلتهم بالمخطوفين اللبنانيين في سوريا البالغ عددهم 11 شخصاً.
وجاء هذا التطور في اعقاب اعلان احد اجنحة المعارضة المسلحة في سوريا بأن المخطوفين اللبنانيين سيبقون رهائن إلى حين سقوط نظام الرئيس الاسد.
وذكرت المؤسسة اللبنانية للارسال L.B.C ان باص ركاب يقل14 سوريا من منطقة حماه عبر الاراضي اللبنانية تم ايقافه بين منطقتي العين واللبوة وتم انزال ثلاثة من ركابه واقتيدوا الى جهة مجهولة.
واشارت إلى ان الخاطفين اتصلوا من رقم مجهول وابلغوا جهة ما بأنهم نفذوا عملية الخطف للقيام بمبادلتهم باللبنانيين المخطوفين في سوريا. ولاحقا افادت قناة "الجديد" انه تم الافراج عن ثلاثة معارضين سوريين كانوا اختطفوا في منطقة البقاع. علماً ان قناة "الميادين" التي كشفت عن الجهة الخاطفة كانت تحدثت عن خطف خمسة معارضين سوريين.

