خدمة السقوط

لا تحتاج حكومة الانقلاب إلاّ إلى "نكزة" بسيطة كي تتدحرج وتؤكد سقوطها بعد أن نجحت في تأكيد فشلها، مثلما "نجحت" في إعادة ترسيخ تلك البديهة الخلاّبة في الحياة السياسية وغير السياسية اللبنانية القائلة: إنّ الانقلابات لا تمشي في لبنان، مثلما لا تمشي قصص الإلغاء والإقصاء لأيّ مكوّن أساسي فعّال من مكوّنات الجمهورية.

"الطبيعة" الأولى للاجتماع اللبناني، الراسخة رسوخ طبيعته الجغرافية جبالاً وودياناً وأنهراً وشطآناً وتراثاً، تفرض مسلّمات دقيقة ورقيقة وواضحة، حتى لمن تغشى بصره وبصيرته نتعات القوّة أو التمايز أو الأحلام الاستحواذية الكبيرة.. مسلّمات كافية وافية لأن يُقال انطلاقاً منها: إنّ حكومة الانقلاب بحالها وتركيبتها، ومنذ اللحظات الأولى لدبيبها، لا تشبه لبنان في شيء. لا بالمعنى الإيجابي ولا حتى بالمعنى السلبي. وإنّها قبل ذلك وغيره الكثير، لا تشبه إلاّ مَنْ صنعها ودبلجها، وذاك الذي صنعها ليس فقط لا يشبه لبنان، بل هو أيضاً لا يشبه سوريا نفسها!

طوّلت حكومة بشّار الأسد في بيروت، وآن لها أن تسبقه إلى تأكيد السقوط.. وتقريباً مثلما فعل ويفعل هو في سوريا، فعلت وتفعل هي في لبنان: بيديه وأدائه دفع بلاده إلى الجحيم التام. وبيديها وأدائها سبّبت أذى غير مسبوق للبنان واللبنانيين سياسياً وسياحياً واقتصادياً وإنمائياً، وصولاً إلى المسّ بركائز علاقاته العربية والدولية التي ما انهزّت مرّة واحدة في التاريخ مثلما انهزّت على يديها "وبفضلها" رغم كل ما حصل عندنا على مدى العقود الأربعة الماضية.
.. أهم خدمة (فعلية) يُمكن أن تقدّمها، أو يقدّمها رئيسها المفترض، هي الاستقالة والذهاب إلى البيت. وليس في ذلك إن تم، إلاّ مساعدة مَنْ يريد إفشال خطط السلطة الأسدية حيال لبنان، والعمل بعكسها تماماً: تنفيس الاحتقان الذي يفور ويغلي، وضبضبة أعواد الكبريت والقدّاحات وإبعادها عن حقول الغاز الطائفية والمذهبية. ثمّ محاولة العمل من جديد (؟) على بناء سيبة وسطى تُظهِّر الاتفاقات والتفاهمات، ما سبق منها وما قد يلي. وتنظِّم الخلافات وتبقيها محروسة في قفص سياسي بعيد عن الشارع.

والفرصة، على ما يرى كثيرون وخائفون وقلقون، متوافرة وواضحة رغم كل الغبار المنتشر في الجمهورية ومحيطها ومدارها الإقليمي الواسع.
في كل الحالات، لا يُطلب من هذه الحكومة إلاّ "تأكيد" سقوطها، وإعانة اللبنانيين على تخطّي آثارها وارتكاباتها في حقّهم. وذلك يا اخوان، ليس معجزة على الإطلاق.. المعجزة الفعلية هي أن تبقى في مكانها وكما هي وأن تدّعي فوق ذلك، أنّها جاءت لمنع الفتنة!!

السابق
إسرائيل تسلم السلطة رفات 91 فلسطينيا
التالي
صمت نواب جبيل