أنا لست موضوعيا، ولكني أعتقد بأن شمعون بيريس كان رئيس الوزراء الأفضل لإسرائيل، في الفترة القصيرة التي سُمح له فيها أن يشغل هذا المنصب الهام. فقد كان مجربا، ناجعا، يعرف جيدا الساحة الحكومية بعد ان شغل قبل ذلك سلسلة من المناصب الوزارية، قاد نجاة إسرائيل من مصيبة اقتصادية وخطا خطوة دراماتيكية في الطريق إلى إخراج الجيش الإسرائيلي من لبنان. وهو يوجد في السياسة منذ سبعين سنة، وأنا متأكد أنهم في أسرة تحرير كتاب «جينس» يبحثون في ترشيحه ليتبوأ الرقم القياسي في الحياة السياسية. فهو لم يأخذ لنفسه عطلة أو إجازة، لا للدراسة، لا للأعمال التجارية، لا «لتنظيف الرأس»، وفجأة بالذات هو يُنزل على مؤتمر «بيوماد» العظيم في إسرائيل أمله الجديد – في أن تكون إسرائيل الدولة الأولى في العالم التي يديرها علماء.
هذا وحده ينقصنا، ومن يعرف هذا أفضل من الرئيس نفسه.
هذا سيء للعلم. على العلماء أن يشتغلوا بالعلم. يحق لهم بالطبع أن يأخذوا لأنفسهم إجازة، ولكن من ينقطع عن المختبر أو عن الأدبيات المهنية من شأنه أن يتخلى عن قدرته على مواصلة الإنتاج. فهل كنا نريد أن نرى عالما لامعا يترك الجامعة أو التخنيون أو معهد وايزمن في منتصف عمله البحثي ليستثمر نفسه في عمل سياسي؟ في السباق بين فروع الحزب كي يجمع الأصوات للانتخابات التمهيدية؟ في الجلسات في لجان الكنيست أو في ادارة وزارة حكومية حيال قسم الميزانيات، لجنة العاملين، المعارضة ومراقب الدولة؟ وهل يحق لنا حقا أن نتخلى عن هذه الكفاءات كي تنشغل في مجال لم تتأهل له، لم تعرفه وأسلافهم فشلوا فيه فشلا ذريعا؟ حتى الرؤيا اليونانية القديمة عن الملك الفيلسوف انهارت عندما سُمح له بإمكانية الحكم.
بيريس يتذكر جيدا العلماء الذين جاءوا إلى السياسة. أحدهم كان وزير غريب الأطوار، مثابة دكتور سترينجلاب، وآخرون تجولوا كضيوف في أروقة الكنيست ولم يعرفوا حقا ماذا يفعلوا بأنفسهم. أحدهم كان كاتبا شهيرا سافر لسنة (!) إلى خارج البلاد في أثناء ولايته لأنه لم يعرف ماذا يفعل في الكنيست، أحدهم عمل كرئيس وكل ولايته كان مرتبكا ومُربكا رغم عبقريته، والقائمة لم تنته بذلك. قصة العلماء، الباحثين والكُتاب في الكنيست، هي قصة متواصلة من الفشل التام. ما الذي يجعل الرئيس يتوق اليهم فجأة؟.
رؤيا الحزب بدون سياسيين التي يتصدرها يئير لبيد، رؤيا حكومة الجنرالات التي نعيش فيها منذ نوات عديدة، أو رؤيا حكومة العلماء الخاصة ببيريس هي جميعها هروب من الأمر الحقيقي – السياسة يجب أن يديرها سياسيون نزيهون، فهيمون، ومجربون، بيريس نفسه هو قدوتهم وليس من لم يعنى بذلك وسيجد صعوبة في فهم الاعتبارات «غير الموضوعية»، التي دون أخذها بالحسبان لا يمكن دفع أي سياسة إلى الأمام.
ولكن إذا كان قُيض لنا مع ذلك أن نقبل بحكومة العلماء، فحاول رجاءا يا سيدي الرئيس أن نكون التالين في الطابور وليس الأولين. فلعلنا بعد ان نتعلم شيئا ما عن ظهر الدولة الأولى التي ستقبل بالفكرة، يمكننا أن نقرر إذا كنا سنتبناها.

