رصاص الجيش اللبناني أربك الجميع أمس. فالشاشات المحليّة كانت قد حضّرت «الأكشن» لسيناريو مختلف يفترض اشتباكاً أو أكثر بين المشاركين في الاحتفالين السياسيين المتقابلين من أنصار الحزب السوري القومي الاجتماعي ومدعوّي النائب خالد ضاهر، في ذكرى أحداث 7 أيار في حلبا.لكن الحدث جاء من حاجزٍ للجيش اللبناني على خطوط تماس الاحتفالين، حيث أُردي الشيخ أحمد عبد الواحد ومرافقه بإطلاق رصاص مباشر على سيارتهما. الكلّ فوجئ وسارع الى تعديل عناوينه التحريرية للنهار الطويل: هل «قُتل» الشيخ أو «استشهد»؟ هل نحاكم الجيش أو ننتظر التحقيقات؟ هل نصدّق الدعوات الى التهدئة أو نؤجج الشارع استنكاراً للجريمة؟ وحدهما قناتا «المستقبل» والـ«أو تي في» أعلنتا موقفيهما صراحة منذ اللحظة الأولى وتابعتا العزف على الوتر السياسي ذاته. فالقناة الزرقاء وما تمثّله من خطّ سياسي هي «الضحيّة دائماً» والقناة البرتقالية بما تمثّله هي «أمّ الجيش وأبوه ومحامي الدفاع عنه…» دائماً أيضاً.
تقارير «المستقبل» الاخبارية تبنّت أمس رواية «شهود عيان» قالوا إن «الجيش أصرّ على ترجّل الشيخ عبد الواحد من السيارة وأطلقوا الرصاص عليه حتى بعد أن عرّف الشيخ عن نفسه وكان يهمّ بالعودة فاستشهد». وبالنسبة للقناة فإن «العمامات البيضاء لم تثن العناصر عن إطلاق النار على الصوت الذي علا ضد ظلم بشار الأسد» و«على من كان يساعد النازحين السوريين وينشط في تيار 14 آذار». اما الـ«أو تي في» فكانت لها روايتها، الحاسمة أيضاً، والتي تقول إن «الشيخ الذي كان في سيارة ذات زجاج داكن والتي ضبطت فيها كميات من السلاح قُتل ومرافقه لعدم امتثالهما لحاجز الجيش» وأن «الجنود أطلقوا النار ردّاً على طلقات استهدفتهم أولاً». «أو تي في» استنفرت للدفاع عن المؤسسة الغالية على قلبها بوجه «حملة التحريض عليها» وجورج ياسمين «احتدّ» بسبب الاصوات التي دعت الى «طرد الجيش من عكار» وشكا للنائب إبراهيم كنعان أن «نوّاب المستقبل اتهموا الجيش اللبناني مباشرة وصار الجيش بدّو يحطّ محامي!».
«أو تي في» رأت أيضاً أن «تيار المستقبل منقسم على نفسه إذ أن سعد الحريري دعا الى التهدئة من جهة، ونوابه اتهموا الجيش بالقتل من جهة اخرى»، وهنا يسأل ياسمين «ترى الى من سيمتثل الشارع؟ الى الحريري او الى السلفيين؟». لم يجب أحد مذيع الشاشة البرتقالية سوى صور قطع الطرقات بالإطارات المشتعلة التي بثتها قناته والتي اقتصر عليها تقرير «المنار» في نشرته الاخبارية. قناة حزب الله «ثأرت» بالصورة أمس، إذ لفّ الدخان الأسود المتصاعد على طرقات عكار ومداخل طرابلس تقرير نشرتها الاساسي وكأنها أرادت أن تقول «هم أيضاً يقطعون الطرقات بالحجارة والدواليب… ويوشّحون سماء لبنان بالسواد». سواد لم تمتعض منه هذه المرّة مذيعات قناة «المستقبل» ولم يبد أي من مراسليها «هلعه» أو «ضيق صدره» من قطع الطرق الدولية والرئيسية في المحافظة والمدينة الشمالية. اما «المحظوظة» من بين المؤسسات التلفزيونية المحلية والفضائية، أمس، فكانت قناة «العربية» السعودية التي خصّها النائب خالد ضاهر بدموع وحشرجات على وقع صراخه المهدّد «سيدفع الجيش كلّه الثمن». مشهد بشع آخر ميّز التغطيات الإعلامية أمس، وهو صورة فريق قناة «الجديد» يتعرّض للضرب من قبل قاطعي طريق العبدة، وصوت المصوّر عمر خدّاج يصرخ دفاعاً عن النفس: «أنا عمر… إسمي عمر»!

