من لا يذكر «مداهمة الفجر» صبيحة يوم الأحد 20 أيار 2007، على يد «فرع المعلومات» في قوى الأمن الداخلي لخمس شقق سكنية «مشبوهة» في «مبنى عبده» ومجمع «البستان» في «شارع المئتين» بمدينة طرابلس، والتي كانت شرارة معارك مخيم نهر البارد؟
كانت تلك المداهمة خالية من أي عيوب «شكلية» تسمح لـ«لخصوم» بتوجيه سهام الانتقادات عليها، وفي المقابل، كان يكفي أن تكون أصابع جهاز الأمن العام هي التي استدرجت شادي المولوي إلى فخ المساعدات المالية، بهدف إلقاء القبض عليه، كي يصوب كثيرون على الجهاز الأمني «المتسلل» إلى «العرين الأزرق» في طرابلس.
لم يكترث المحتجون لمضمون المضبطة الإتهامية الصادرة بحق المطلوب، طالما أن الأمن العام اقترف بنظرهم «معصية قانونية» يجوز محاسبته عليها، كي تنطلق «أوركسترا» الإدانة الجرمية بحق «العملية المافيوية» التي نفّذها هذا الجهاز الأمني في عقر دارهم. وطالما أن نجيب ميقاتي ومحمد الصفدي، وقفا في صف المعترضين على «شكلية» العملية، لا بل ذهب الأخير إلى حدّ رفع دعوى بحق الأمن العام لانتهاكه «حرمة» مكاتبه، من دون إغفال الحسابات الانتخابية التي حكمت موقفه في هذه القضية.
في «جعبة» المعترضين سيل من الهفوات القانونية المرتكبة. أولها، الاقتحام الذي نفذه بحق مكتب نائب يتمتع بحصانة قانونية، جرى التعرّض لها بشكل علني ومن دون أي مسوغ قانوني. ثانيها، الأسلوب «المافيوي» الذي جرى اعتماده لتوقيف المولوي، وهو أسلوب لا يتم اللجوء إليه إلا في حالات الجرائم الكبرى أو الخطيرة، مع العلم أنه كان من الممكن توقيفه بواسطة مذكرة توقيف أسوة بكل المطلوبين من دون اللجوء إلى تلك «العملية الاحتيالية».
بتقدير المعترضين أن «دسامة» اللائحة الاتهامية، لا تبرر الأسلوب، في ضوء التناقض الفاقع في المعطيات: كيف يمكن لمتهم بإنشاء خلايا إرهابية أن يتوجه إلى مكتب مساعدات للحصول على حفنة من المال من أجل ابنته؟
ولكن في سجل المدافعين عن خطوة الأمن العام الكثير من الحجج القانونية التي تغطي العملية الأمنية، فالمادتان 38 و39 من الدستور واضحتان في منح الحصانة للنائب عن الكلام الذي يتفوه به، وفي الجغرافية فهي تحمي أملاك السفارات على أرض الدولة اللبنانية، من دون غيرها من المواقع الجغرافية. وبالتالي فإن المكاتب الاجتماعية التابعة لمؤسسات الصفدي ولغيره من الوزراء والنواب، والمفتوحة أصلاً أمام العموم، غير مشمولة بحصانة النائب.
أما بالنسبة لنوعية عملية التوقيف التي نفّذها الأمن العام، فإن تقديرها يعود، وفق المدافعين، إلى حسابات الضابط المكلف تنفيذ العملية، المحمي باستنابة قضائية تتيح له توقيف المطلوب وفق المعطيات الموجودة بين يديه، أي وفقاً لتقديراته الأمنية. ويشير هؤلاء إلى أن تاريخ التوقيفات الأمنية في لبنان حافل بنماذج مماثلة للعملية التي تم تنفيذها في العاصمة الشمالية، وبالتالي هي لم تخرق «الحرمات» أو القوانين.
يسأل المدافعون: ماذا لو تمّ توقيف المولوي وفق الطريقة التقليدية؟ ماذا لو استعرض الأمن العام عضلاته أمام «أتباع» المطلوب؟ ماذا لو حصلت «المواجهة» على بعد أمتار من مركز الصفدي؟ ما هي ضمانة عدم وقوع ضحايا؟ ألم تكن اشتباكات اليومين الماضيين دليلاً كافياً على النار الراكدة تحت الرماد الطرابلسي والمرشح للاشتعال عند أي مفصل؟
وبرغم ذلك، فإن المدافعين عن أداء الأمن العام يعتبرون أن للأخير معالجته الداخلية التي تأخذ طريقها في حال تبيّن أن الضابط المولج تنفيذ المهمة قد أخطأ في تقديراته، مع العلم أنهم يؤكدون أن بعض القوى السياسية ركزّت على شكل العملية للتصويب على ما قام به الأمن العام، من باب الاستغلال السياسي لإغفال مضمونها الذي ستظهره التحقيقات لاحقا.
وإذا كانت التحقيقات ستتكفل بفصل خيط الاتهام السياسي عن خيط الاتهام القضائي، فإن المؤيدين لما قام به الأمن العام، يردون على المستخفين بخطورة المولوي «اللاهث وراء 750 ألف ليرة»، بالقول إن أصحاب العقل السلفي، يقيسون الأمور بغير ما يراها غيرهم. فالشاب الذي يقال إنه بحاجة للمال لمساعدة ابنته، يشارك في «نشاط فايسبوكي» عبر صفحة موقعة باسمه، وكان بإمكانه أن يبيع أحد المسدسين اللذين كانا بحوزة مرافقيه لحظة دخوله مؤسسات الصفدي، قبل أن يهربا، لمعالجة ابنته، لو كانت نيّته بريئة…
ويحيل هؤلاء الاعتراضات الى إجابات صارت بديهية على أسئلة من نوع: ألم يتحرك الأمن العام وفق استنابة قضائية؟ هل تكللت العملية بالنجاح أم لا؟ هل كان المطلوب القضاء على المشتبه به كي يحمل معه سره؟ ماذا لو قام جهاز آخر بتلك العملية؟ وهل كان يفترض دعوة المولوي إلى «فنجان قهوة»؟

