أذهل بنيامين نتنياهو، بإعلانه اكبر حكومة ائتلافية في تاريخ "اسرائيل"، مؤيديه ومعارضيه و… الولايات المتحدة. المؤيدون تفهّموا دوافعه، والمعارضون الساخطون فسروا مفاجأته بأنها تعبير عن جبن سياسي وهروب من انتخاباتٍ مبكرة غير مضمونة النتائج. اما الادارة الاميركية فقد تخوّفت، بحسب صحيفة "معاريف" (11/5/2012)، منأنيكونضمشاؤولموفاز،رئيسحزب "كاديما"، إلى الحكومةالأئتلافية الموسعة خطوةتمهيديةلشنهجومعسكري «إسرائيلي»علىإيرانفي شهرسبتمبر/ ايلول واكتوبر/ تشرينالأولالمقبلين،أيقبلانتخاباتالرئاسة الأميركية مطلعَ نوفمبر/ تشرين الثانيالمقبل. ذلك كله استدعى قيام وزيرالحربإيهودباراكبزيارة قريبة إلى واشنطن لبحث تداعياتتأليفالحكومةالإئتلافية الكبرى معكبارالمسؤولينفيوزارةالدفاعوالبيت الأبيض.
"معاريف" كشفت أيضًاأنهفيسياقالمشاوراتلتأليف حكومة"الوحدةالوطنية" بيننتنياهووموفاز، استوضحالأولموقفالثاني من السياسةالتيتتبعهاالحكومةلكبحالبرنامجالنوويالإيراني. يبدوأنموفازأبدىموافقتهعلىهذهالسياسة، وعلىالجدولالزمنيالمتعلقبشنهجومعسكريعلىالمنشآتالنوويةفيإيران.
فوق ذلك، كان تَرَدَدَ قبل شهرين أننتنياهومنحالرئيسالأميركيمهلةتنتهيفيالخريفالمقبللكبحالبرنامجالنوويالإيرانيمنخلال الوسائلالدبلوماسية،وانه فيحالعدمحدوثذلكثمةاحتمالكبيربأنتشن«إسرائيل» هجومًاعسكريًاعلىإيرانخلالشهرسبتمبر/ ايلول واكتوبر /تشرينالأول،بحجة أنأيهجومبعدهذاالتاريخلنيكونمجديًا.
كل هذه التساؤلات والإحتمالات تفرض سؤالاً ملحاحاً: ما مسوّغات نتنياهو لتقديم موعد الإنتخابات ثم التخلي عنه بغية اقامة ائتلاف مع الحزب الرئيس في المعارضة وإرجاء الإنتخابات الى ما بعد سنة ونصف السنة؟
إن تبريرات تقديم موعد الإنتخابات تصلح لتكون نفسها مسوّغاتٍ للعودة عنه. فقد ادعى نتنياهوإن"إسرائيل"لمتشهدمنذعقود طويلةحكومةمستقرةمثلحكومته. غيرأنهلميعدخافياًعلىأحدأنهمعبدءالعام الرابعمنولايةالحكومةأصبحاستقرارالائتلافالحكوميعرضة للإهتزاز. اكد ان اهتزازالائتلافالحكومييخلّبوضعالإستقرارسواءبينالأحزابالمشتركةفيالائتلاف،أوداخلالأحزابنفسها، وانحالةعدمالاستقرارتتسببدوماًبمظاهرمنالإبتزازوالشعبويةتمس المقوّماتالرئيسيةللحياةالعامةكالأمنوالإقتصادوالمجتمع،جازماًبأن "إسرائيل" تظلدائماًبحاجـةإلىالإستقرارالسياسي.
ما التحديات والقضايا التي تسبّبت بإهتزاز الإستقرار ودفعت زعيمي الحكومة والمعارضة الى الإتفاق على مواجهتها بحكومة "وحدة وطنية" موسعة؟
اول التحديات ما يسمى "امن اسرائيل". ثمة اجماع على ان ايران نووية هي خطر مقيم، وان كيفية مواجهتها، سلماً او حرباً، هي معضلة ماثلة. الى ايران، ثمة تخوّفٍ متزايد من مستقبل مصر في ظل صعـود قوى الإسلام السياسي، وموقف بعضها المناوىء لمعاهدة السلام مع "اسرائيل"، ودعم بعضها الآخر لفصائل المقاومة الفلسطينية، ولا سيما لـ"حماس" و"الجهاد الإسلامي"، وقيام عناصر معادية لـ "اسرائيل" بضرب انبوب تزويدها بالغاز المصري ما ادى الى قطع الغاز عنها لاحقاً بقرار من الحكومة المصرية. ذلك كله شجع نتنياهو على التحالف مع موفاز، الإيراني الاصل،الذي شغل في الماضي منصب رئيس هيئة الاركان العامة ثم منصب وزير الحرب، وعلى تعيينه نائباً اول لرئيس الحكومة، فيما تقارير صحافية تتحدث عن احتمال تعيينه وزيراً للجبهة الداخلية بدلاً من ماتان فلنائي الذي عُيّن سفيراً في الصين.
بوجود الثلاثي نتنياهو- موفاز-باراك تكتسب حكومة "الوحدة الوطنية" طابعاً حربياً لافتاً. فهل ثمة مغامرة عسكرية سيصار الى تنفيذها ضد ايران قبل الإنتخابات الرئاسية الاميركية؟ ام ان حكومة "الإئتلاف الكبير" ستقتصر مهمتها على الضغط والإبتزاز لمنع الغرب من التوصل الى اتفاق مع ايران يتعارض مع مصالح "اسرائيل"؟
ثاني التحديات اجتراح قانون بديل من قانون "طال" الملغى الذي كان يُحلّ الطلاب المتدينين "الحريديم" من موجب الخدمة العسكرية. ثمة دعوة شبه إجماعية اليوم لإخضاع "الحريديم " للخدمة العسكرية عملاً بمبدأ مساواة المواطنين امام القانون وفي الاعباء العامة. المقولة ان حكومة ائتلافية موسعة ذات قاعدة عريضة ستكون قادرة على اعتماد قانون لمعالجة هذه المشكلة المستعصية.
ثالث التحديات مسألة المستوطنين وليس الإستيطان. ذلك ان المستوطنين المتطرفين والمدعومين بتأييد علني من الاحزاب اليمينية المتطرفة المشاركة في الحكومة، يباشرون عمليات استيطان واسعة تتجاوز سياسة الحكومة وذلك بإقامة بؤر استيطانية في املاك الفلسطينيين الخاصة، بل يرفضون تنفيذ احكام المحكمة «الاسرائيلية» العليا القاضية بإخلاء البؤر الاستيطانية "غير الشرعية". مهمة حكومة "الوحدة الوطنية" معالجة قضية المستوطنين المتطرفين والعمل على سنِّ قانون للإلتفاف على احكام المحكمة العليا في هذا المجال.
رابع التحديات مواجهة الإنتفاضة الفلسطينية الثالثة التي اخذت تباشيرها تلوح مع تعاظم الإضراب العام عن الطعام الذي اعلنه الاسرى الفلسطينيون في سجون "اسرائيل" ودخل يوم امس (الاحد) يومه الـ 28 من دون ان تبدو نهايته في الأفق المنظور. وتنسب صحيفة "يديعوت احرونوت" (6/5/2012) الى كبار المسؤولين في قيادة المنطقة العسكرية الجنوبية ان الهدوء الحالي المسيطر على الضفة الغربية يخفي وراءه عاصفة كبيرة، "اذ من غير المنطقي ان يخرج الوف الاشخاص للتظاهر في ميدان التحرير في القاهرة، وان تزداد التظاهرات المناهضة لـِ "اسرائيل" في الاردن، وألاّ يحدث شيء في الضفة". فـوق ذلك، تزداد الاوضاع الإقتصادية سوءاً في الضفة تحت وطأة العجز المالي الكبير المتراكم للسلطة الفلسطينية، والجمود المسيطر على ما يسمى العملية السياسية (المفاوضات) مع حكومة نتنياهو. كل ذلك حمل المحلل العسكري أليكس فيشمان في الصحيفة المذكورة على اعتبار المعطيات السالفة الذكر اشارات قوية الى قرب اندلاع انتفاضة ثالثة. ولعل إقدام نتنياهو وموفاز على اقامة حكومة "الوحدة الوطنية" انما يعود في احد ابرز دوافعه الى مواجهة الإنتفاضة الوشيكة.
خامس التحديات القضايا الإجتماعية وفي مقدمها الضائقة المعيشية الناجمة عن التضخم، وازمتا السكن والبطالة. المفارقة ان موفاز كان اعلن، غداة إنتخابه زعيماً لحزب "كاديما" بدلاً من تسيبي لفني، استعداده لإحياء الحملة الاجتماعية الاحتجاجية ضد الحكومة وقيادتها. ها هو الآن يحشر نفسه وحزبه تحت مظلة نتنياهو الذي يشعر بوطأة القضايا الإجتماعية واستحقاقاتها الملحّة. يزيد المشكلة تعقيداً ان المؤسسة العسكرية رفضت في الماضي القريب اتجاه نتنياهو الى تقليص ميزانية الدفاع والجيش لتأمين الاعتمادات اللازمة لمواجهة القضايا الإجتماعية. من هنا يرجّح المراقبون ان اتفاق نتنياهو – موفاز هو بمثابة إقرار بخطورة المسألة الإجتماعية ورفعها الى مصاف التحديات الكبرى التي تحيق بالكيان الصهيوني في هذه المرحلة، وتستدعي بالتالي ضرورة مواجهتها في سياق مجهود جماعي تشارك فيه الاحزاب والتكتلات الصهيونية الكبرى.
ماذا عن الفلسطينيين والعرب إزاء الإئتلاف الاكبر في تاريخ "اسرائيل"؟
الفلسطينيون ما زالوا مشغولين بخلافاتهم القديمة-الجديدة وعاجزين عن تحقيق المصالحة الوطنية المزمنة التي يعود تاريخها الى ما قبل زمن الإنتفاضات العربية. اما العرب، ولاسيما في مصر والعراق وسورية والاردن ولبنان، فما زالوا، شأن الفلسطينيين، مشغولين بخلافاتهم المتفاقمة عن التحدي الاخطر المشع من الكيان الصهيوني وحلفائه.
لعل وزيرة خارجية اميركا هيلاري كلينتون ادركت هواجس الفلسطينيين بعد اعلان قيام حكومة "الوحدة الوطنية" «الإسرائيلية»، فسارعت الى الإتصال هاتفياً بنتنياهو طالبةً منه إنتهاز مناسبة قيام "الإئتلاف «الاسرائيلي» الكبير" لإتخاذ خطوات من شأنها إستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين.
المفاوضات؟ ترى، هل تمتد مهزلة المفاوضات الى نهاية هذا القرن؟ !

