بدأت معركة إعادة إنتاج السلطة في لبنان من خلال الانتخابات النيابية. القانون يحسم نصف المعركة والتحالفات ربعها والمال والخدمات والإعلام الربع الآخر. قد نسمع، كما سمعنا من قبل، أنها معركة مصيرية حاسمة في ترجيح الخيارات السياسية الكبرى. يسعى طرفا الانقسام الوطني الحالي إلى تغليف صراعهم الطوائفي بشعارات سياسية ديموقراطية وأحياناً وجودية تتعلق بمستقبل الجماعات التي يمثلونها. هناك أربع كتل طائفية تتنازع السلطة المركزية هي الموارنة والسنة والشيعة والدروز. يسعى الأرثوذكس والكاثوليك الآن إلى بلورة مؤسسة طائفية تؤمن حضورهم في المعادلة.
في النظام الطائفي الآن لا توجـد جمـاعة واحـدة يتمحور حولهـا النظام كما كان الموارنة منذ الانتداب والاستقلال حتى الحرب الأهلية الأخيرة. استطاعت «المارونية السياسية» أن تخترق كل الطوائف اللبنانية ولو أنها لم تحصل على إجماع الولاء حول دورها القيادي ومشروعها اللبناني.
انحسرت «المارونية السياسية» عن الدولة إلى حدود الطائفة وحدها ولم تحل مكانها طائفة أخرى في المدى الوطني. منذ أربعة عقود يعيش لبنان أزمة صراع الطوائف على السلطة المركزية من دون استقرار. أنتج هذا الصراع قوى كامنة، مع تحوّل الديمغرافيا، تشجع على فكرة تجديد الغلبة. لم تسلّم القوى الطائفية بعد باستحالة بناء دولة ونظام مستقر على آليات السياسة الحالية. جميع القوى السياسية ساهمت في تعطيل مشروع الدولة واحتواء الصراع الطائفي. شاركت كل الأطراف في الانقلاب على الدستور وتجويفه في الرهانات على تعديل موازين القوى على الأرض. هذه السياسة الخطرة تهيئ الأجواء لصدام عنيف أكثر تدميراً وعبثية وشرذمة للبنان من كل تجربة سابقة.
في السابق، وعلى مدى نصف قرن، كانت المسألة الطائفية في لبنان شذوذاً في النظام الإقليمي. وكانت سوريا في إطار توازنات عربية ودولية تمارس الوصاية والتحكيم واحتواء النزاعات ومحاولة السيطرة عليها. تغيّرت البيئة المحيطة وفرضت على لبنان مسألتين: الأولى تتعلق بولاية أو سيادة الشعب اللبناني على نفسه في صياغة نظامه، والثانية التعامل مع الوضع الإقليمي المستجد على أنه بيئة واحدة مترابطة لا فكاك من تأثيراتها السلبية ولا مجال لاستخدام تناقضاتها ضمانة لوجود الكيان اللبناني واستقلاله واستقراره.
كانت العروبة «وجها جانوس» في لبنان بعد الاستقلال. تحولت العروبة إلى نزاع سياسي مهما تباينت اتجاهاتها يضبطها نظام عربي فيه غلبة مرجحة. جاء الإسلام السياسي يصفي تركة النظام العربي ويفجر تناقضات لا أفق منظوراً لحلها. فمن أولى أثقاله على لبنان تهديد الوجود المسيحي والصراع السني الشيعي ومحاصرة كل القوى والتيارات المدنية الهامشية أصلاً في الواقع الراهن.
تأتي الانتخابات في هذا السياق على خلفية زيادة الأحجام الطائفية وليس مجرد إعادة إنتاج التوازن السابق القلق إصلاً. لا يعود الخطاب السياسي الطائفي والمتوتر مجرد وسيلة للتعبئة الانتخابية بل يصبح وسيلة من وسائل التصادم على حجم الشراكة في النظام.
هناك من يطالب علناً بالمناصفة المسيحية الإسلامية صافية من أي زغل. وهناك من يدافع عن حجم سياسي لطائفته ولو كان «ورماً» سياسياً لا يتفق وديمغرافيتها ودورها الاجتماعي. وهناك من يسعى إلى مثالثة فعلية في السياسة من دون المساس بشكل الصورة. وهناك من يدافع عن امتيازات استجدت بعد الطائف في الممارسة السياسية لا في الدستور.
قد يستطيع النظام أن يعيد إنتاج نفسه ويجدد الصفقة بين أطرافه لو أن الطائفية السياسية ما زالت أقل ارتباطاً بالأصولية الدينية، أو لو كانت المنطقة تجمعها رابطة العروبة السياسية على تخلّعها السابق.
لكن الإسلام السياسي يتصدر المشهد ويتوثب بعنف إيديولوجي ومادي وأصولية مستخرجة من إرث التخلّف والشعبوية الطقوسية وتناقضاتها، لا يسمح بتسهيل مهمة ضبط النزاع اللبناني على ما كان يحصل من تسويات.
تأسست في لبنان جغرافيا طائفية وسياسية في ظل هزال مؤسسات الدولة المركزية وهشاشتها والتسلط عليها، تشجع على مشاريع إن لم تكن مضمونة في نجاحها فلا أقل من عدم الخسارة الاستراتيجية. تدور في رأس القوى الآن فكرة المغامرة على الهيمنة وإن فشلت فكرة حماية المواقع الحالية. فإذا كان التحريض على «دويلة» هنا فلماذا لا تكون للآخرين دويلات، أو «شرعيات» من الإدارة الذاتية أمام عجز الدولة المركزية. يحصل ذلك الآن بتفاوت الإمكانات والقدرات والمعطيات على قدم وساق حيث لا أحد يرغب أو يسعى إلى تطوير صيغة الدولة المركزية.
ويكاد الرهان اليوم على انتظام القوى المدنية وتعاون الفئات الاجتماعية الشعبية المحرومة أو المهمشة أبطأ بكثير من حركة التفكك المعاكسة. فلا المعارك الاجتماعية توحد ولا فساد الطبقة السياسية وأزمة النظام، ولا الأجواء الإقليمية والدولية تساعد، ولا ثقافة القوى الطائفية ترحم، ولا النخبة اللبنانية انفكت عن قوى النظام.
يفرض هذا المشهد البحث عن مخارج سلمية لنزاع حربي كامن. يصبح مشروعاً ليس فقط من باب الواقعية السياسية بل ومن باب استدراك الانتحارالجماعي الذي يتهدد اللبنانيين، السعي إلى استخلاص المشتركات المصلحية الممكنة وبلورتها في صيغة لإدارة هذا التنوع أو تدبير هذا التوتر. وليس هناك من مدخل أفضل إلا تخفيف حدة النزاع على السلطة المركزية وتقوية بل تنظيم ما هو قائم عملياً من إدارات لا مركزية وتقنينها وضبطها تحت سقف القانون. لقد أدت ليبرالية النظام المركزي السابق، بتأثير الطائفية والصراع الإقليمي، إلى الإطاحة بالثقافة الليبرالية أمام تجذر الطائفية في الثقافة الدينية المؤدلجة على مواريث التخلف. فلا أفق لعيش لبناني مشترك تقدّم فيه الطوائف أسوأ ما لديها للاجتماع اللبناني وتفقد بسرعة أفضل ما لديها من عناصر إيجابية. يترتب على هذا التصور أن ندعو «الطوائف» ومن فيها من المستلحقين والمستتبعين أو المستنيرين ومن المهجوسين بالحرية فعلاً والمؤمنين بالعيش معاً حقاً والمقتنعين بمدنية الاجتماع البشري وسيادة الشعب على نفسه أن يأتوا إلى خيار حوار وطني حول «الصيغة» لتفعيل أو تعديل أو تطوير ما وصلنا إليه من إنجازات مسلّم بها «ثوابت أو مسلمات وطنية» لكي تكون ركيزة الكيان والدولة وأساس شخصية النظام وآليات عمله وسلطاته.
وبالفعل تحتل اللامركزية الإدارية الموسعة، مشفوعة بخارطة تنمية متوازنة ومرتبطة بالعدالة الاجتماعية ومبدأ المساواة في الحقوق المدنية والسياسية، مدخل كل إصلاح يبنى عليه مشروع السلطة المركزية.
ولأن منطق «الزعبرة السياسية» أو الغش والخداع يسيطر على تأويل وتفسير وتطبيق الديموقراطية، وفي أساسها قانون الانتخاب ونظامه دوائر وآليات، فشرط التوافق عليه أن يصار إلى إعادة النظر في تنظيم لبنان الإداري كما نص الدستور، مع المحافظة على التراكم التاريخي المعروف بالحد المعقول والممكن لقواعد التمثيل التي تعكس معظم الهموم التي يقدمها اللبنانيون على سواها في خياراتهم السياسية. فهل ننتظر مثل هذه المبادرة من الرئاسة الأولى أو مرجعية «طائفية وطنية» تستشعر طبيعة المأزق الراهن وتنزّه نفسها أقله عن ترك جماعتها تسير في المجهول!؟

