مهمة أنان.. حقيقة ومصير!

أين اصبحت مهمة كوفي انان في سورية؟.. سؤال لا بدّ من أن يتمّ طرحه بعدما تأخر المبعوث الدولي – العربي المشترك في البدء بتنفيذ الخطة ذات النقاط الست التي أعلن عنها، ووافقه عليها من أرسله وانتدبه إضافة الى الحكومة والقيادة في سورية، وكان الاختلاف بينهما بداية حول تلك الموافقة، وتالياً حول توقيت الالتزام بتنفيذ أولى بنودها وهو وقف إطلاق النار الذي على الأرجح شكل السبب الرئيسي وراء تأخر المبعوث الدولي في الانطلاق مجدداً باتجاه سورية، وحوّل نظره باتجاه انجاز المزيد من المشاورات الدولية، فاختار ركوب الطائرة التي افتقدها بعد انتهاء ولايته على رأس الأمم المتحدة ليعود اليها من باب مهمته في بلاد الشام.

كان انان طلب من سورية الوقف الفوري لإطلاق النار حين كانت الجبهة مشتعلة، وكان طلبه متعجلا حتى قبل إرساء أسس لمهمته، وذلك من أجل وقف العملية التي كانت القوات السورية قد اطلقتها للقضاء على المسلحين في بابا عمرو في حمص، حيث شكلت هذه الخطوة "قلع شوكتهم" التي زرعت في خاصرة الدولة، لكن الحكومة السورية لم تستجب ودارت اذنها التي لا تسمع بها لهذا الطلب وأكملت مهمتها لتوقف إطلاق النار على طريقتها وفي الوقت الذي حددته بعد إتمام اعادة السيطرة على المدينة التي كادت أن تهدم الدولة بأكملها.

على ضوء ذلك، فقدت مهمة أنان أهم اسبابها الى درجة أنه لم يعد مهمّا بالنسبة الى من كلفه بها إعلان الحكومة السورية موافقتها عليها، فجاء الجواب الدولي عبر اعطاء هذه المهمة المزيد من الوقت لإيجاد مخارج لها، وطار أنان الى عواصم العالم باحثاً عن التأييد "تحصيل الحاصل" منذ اللحظة الأولى لوجوده على خط الأزمة في سورية، بعد فشلٍ أداء الجامعة العربية التي ضربتها دمشق ضربتها القاضية، وقد ثبتت فعالية تلك الضربة بشكل ومضمون قمة بغداد العربية الأخيرة الأسبوع الماضي.

وفي هذه الأجواء، تبدو مهمة أنان قد انتهت لا سيما بعد تسريب معلومات دبلوماسية حول طبيعة المهمة التي حملت عناوين "انسانية"، لكنها هدفت في الواقع الى إنقاذ ما كان تبقى من مسلحين في بابا عمرو من ناحية أولى، ومحاولة فرض معادلة تقوم على اساس وجود فريقين متنازعين في سورية، أي بوضع تلك الجماعات المسلحة بموازاة الدولة من أجل تشكيل قاعدة متينة لمهمة أنان لإيجاد نوع من التسوية بالحد الأدنى تنتزع من خلالها إقراراً واعترافاً من قبل الحكومة بتلك الجماعات الخارجة على القانون وقوننتها ووضعها في مقدمة "المعارضة"، لا سيما جماعات الخارج التي لم تتفق حتى الآن على خيارات واحدة، ولتشكل أيضاً بديلاً عن معارضة الداخل التي توصلت الى قواسم مشتركة مع الحكومة والقيادة في البلاد أساسها عدم الرضوخ لمنطق الدم والمباشرة في تطبيق بنود الإصلاحات كمقدمة لعملية تغيير شاملة وهادئة.

وتطرح مصادر سياسية تساؤلات حول إمكانية استئناف المبعوث الدولي لمهمته "الإنسانية" وسط دعوات من دول عربية الى تسليح المعارضة، وهي تقوم من أجل تحقيق ذلك باتصالات علنية على اعلى المستويات وصولا الى الاجتماع الأخير الذي عقدته دول مجلس التعاون الخليجي مع وزيرة الخارجية الأميركية نهاية الأسبوع الفائت، مشيرة الى أن هذه التحركات والدعوات إنما تثبت أن مهمة المبعوث الدولي لم تكن "انسانية" البتة، وإنما كانت بهدف إنجاز اختراق سياسي وأمني أحبطته القيادة في سورية وهو ما جمّد عمل أنان، لأن مهمته انحرفت عما هو مرسوم لها.

وتسأل المصادر عن الإتهامات التي كانت توجّه الى الرئيس السوري بشار الأسد بأنه يدفع باتجاه حرب أهلية في سورية بإصراره على مواصلة مواجهة المسلحين في غير منطقة في البلاد، لتشير بأن الدول العربية حالياً تقوم بهذه المهمة نفسها من خلال دعواتها الصريحة الى تسليح المعارضة وإجراء اتصالات مع الدول المجاورة لتسهيل هذا الأمر، وهو ما يشكل خطورة قصوى على استقرار المنطقة برمتها، لأنها بذلك تعمل على إدخال حكومات ودول بـ«أمّها وأبيها» في صراع مفتوح قد لا تحتمله أية دولة نتيجة التنوع السياسي والإثني الذي يحكم تكوينها، وبذلك دعوة صريحة الى حرب لا تبقي ولا تذر تنشدها «إسرائيل» وحدها، بعد فقدانها لسيطرتها على المنطقة من خلال ما يعرف بالتفوق الاستراتيجي الذي كانت تتمتع به الى حين هزيمتها على يد حزب الله اللبناني في عامي 2000 و2006.

لقد بات التفتيش عن مهمة لأنان صعباً ما اقتضى عقد "مؤتمر في اسطنبول" في محاولة للإبقاء على مهمة المبعوث الدولي قائمة قبل أن تنهار كلياً، وسط مطالبة الحكومة السورية بما سبق وأعلنت عنه من قبولها لخطته، لكن ماذا يريد هؤلاء المحتشدون في تركيا على مستوى الخطوات العملية التي يطالبون بها بعد أن أنتجت قرارات الجامعة العربية سابقاً قضية بابا عمرو في حمص من خلال بعثة المراقبين العرب، فهل من قضية مثيلة لها على مهمة أنان أن تخلقها؟!..

السابق
فضيحة باسيل: حيث لا يجرؤ الآخرون
التالي
حج فلسطين: الأرض عِرض والقدس قِبْلة والمقاومة حياة

اترك تعليقاً