إذا كانت سوريا قد تحولت الى ساحة للاستقطاب الإقليمي والدولي الحاد، منذ بدء الأحداث فيها، بما أراح لبنان نسبيا من أعباء الاستضافة الحصرية لصراعات الآخرين على أرضه كما حصل على مدى سنوات طويلة.. إلا ان ذلك لا يعني ان «الاستثمارات الخارجية» في الساحة اللبنانية توقفت، وإن تكن طبيعتها قد تغيرت.
وعليه، يبدو جليا أن واشنطن نقلت موقع لبنان في أجندتها من كونه «ساحة جهاد» إلى «ساحة نصرة»، يراد استخدامها لدعم مشروع إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد وتأمين كل المتطلبات اللوجستية لتحقيق هذا الهدف. وبهذا المعنى، فإن الأميركيين المعروفين بأنهم أساتذة البراغماتية، يحاولون جعل بيروت بمثابة «قاعدة إسناد» متقدمة لتضييق الخناق، قدر الإمكان، على الأسد، لا سيما أنهم يعرفون جيدا أهمية العمق اللبناني بالنسبة الى سوريا.
وأمام هذا التكتيك، تضيق المساحة كثيرا أمام سياسة «النأي بالنفس» التي اعتمدتها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، للتعايش مع الأزمة السورية وامتصاص تداعياتها، بل لعله يمكن القول ان هذه السياسة هي من أولى ضحايا الإصرار الأميركي على النأي بلبنان عن خصوصياته وتوازناته الدقيقة، وصولا الى توظيفه في مسار تفعيل منظومة الضغوط والعقوبات التي تطال دمشق وطهران، على قاعدة ضرورة التزامه بالقرارات الدولية، تحت طائلة المسؤولية.
وبما أن لبنان بات «ساحة نصرة» للحرب المعلنة على النظام السوري، فإن منسوب الاهتمام الأميركي به ارتفع بشكل ملحوظ خلال الأيام الماضية، حيث زار بيروت على التوالي كل من المنسق الأميركي الخاص لشؤون المنطقة فريدريك هوف، ووكيل الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية ديفيد كوهين الذي نقل الى المعنيين رسائل حازمة، لا تخلو من تهديدات مبطنة، حول وجوب التقيد بالعقوبات المالية المفروضة على سوريا وإيران، مدققا في تفاصيل أكثر من ملف مصرفي، فيما كان مساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان يؤكد خلال احتفال في واشنطن بالذكرى السابعة لـ«ثورة الأرز»، أن «السقوط المحتمل لبشار الأسد سيكون فرصة في الانتخابات اللبنانية، في العام المقبل، لهزيمة بقايا نظام الأسد والتأكيد لـ«حزب الله» وحلفائه أن الدولة اللبنانية لن تتعرض للخطف بعد الآن».
إزاء هذه «المنشطات» الأميركية، يستغرب أحد «صقور» الأكثرية أن يعمد البعض الى تحريك الشارع والمشاعر رفضا لموقف يدلي به السفير السوري في بيروت علي عبد الكريم علي أو اعتراضا على زيارة يقوم بها، إضافة الى إبداء تحسس زائد من أي مبادرات إيرانية حتى لو كانت تتعلق بتقديم أسلحة الى الجيش اللبناني أو بالمساعدة في معالجة أزمة الكهرباء، أو بمنح هبة لبناء سد مائي في البترون، بينما لا يُحرك أحد ساكنا حيال ما يصدر عن الأميركيين الذين لم يجدوا أي حرج في إطلاق الحملة الانتخابية لفريق 14 آذار وتحديد برنامجها السياسي (كما فعل فيلتمان على الملأ)، وفي إيفاد كوهين الى لبنان للتثبت من التزام الحكومة بالعقوبات المفروضة على دمشق وطهران، ومن احترام القطاع المصرفي للقواعد والمعايير الدولية في عمله، علما بأن الموفد الأميركي ليس تابعا لمنظمة الأمم المتحدة (على علاتها)، ولا يتمتع بأي صفة رسمية تعطيه الحق الشرعي في مساءلة الدول، ومراقبة سلوكها المالي والمصرفي!
وفي موازاة الجهد المضاعف الذي تبذله واشنطن لتعزيز أوراق الضغط اللبنانية على النظام السوري، تبرز داخليا علامات سياسية فارقة، استوقفت المراقبين، أبرزها التزامن الحاصل بين حملة رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع على بكركي، وحملة «الجناح السلفي» في «تيار المستقبل» على الجيش اللبناني، التي تصاعدت مؤخرا عبر مواقف النائب خالد ضاهر.
وتعتقد أوساط سياسية مسيحية أن كلا الهجومين على البطريرك الماروني بشارة الراعي والمؤسسة العسكرية، يقود عمليا الى نتيجتين:
الأولى، المساس بالوجدان المسيحي الذي يتشكل تاريخيا من علاقة خاصة مع بكركي والجيش، فجاء التصويب على المؤسستين اللتين يستمد منهما المسيحيون الطمأنينة، ليثير لديهم الهواجس أو أقله التساؤلات حول الخلفيات والدوافع الكامنة خلف هذا الاستهداف الثنائي المتقاطع.
الثانية، محاولة تعطيل صوت الكنيسة الذي ينبه الى مخاطر ما يجري في سوريا وانعكاساته السلبية على الساحة الداخلية، وفي الوقت ذاته، السعي إلى تكبيل عمل المؤسسة العسكرية لضبط الحدود ومنع تسلل المسلحين والسلاح عبر الحدود اللبنانية – السورية، من خلال اتهام الجيش بملاحقة مواطنين من لون مذهبي وسياسي محدد، بما يعطي الجهات اللبنانية الحاضنة للمعارضة السورية الفرصة لتوسيع هامش حركتها وحمايته.
ولئن كان من المبكر منذ الآن توقع الحصيلة النهائية للكباش اللبناني الذي سيستمر في التصاعد حتى موعد الانتخابات النيابية، بعد قرابة العام، إلا أن الأكيد هو أن الوضع السوري سيكون ناخبا أساسيا في الاستحقاق المقبل، وان ترجيح كفة على أخرى في الكباش الداخلي مرتبط بما سيؤول إليه الصراع الكبير في سوريا.
ومع ذلك، يمكن الافتراض مبكرا انه إذا كان شعار التحذير من «ولاية الفقيه» قد ساهم في فوز فريق «14 آذار» في الانتخابات النيابية السابقة، ولا سيما في بعض الدوائر المسيحية الحاسمة، فإن التحذير من «ولاية السلفيين» قد يكون الشعار الرابح للعماد ميشال عون وحلفائه المسيحيين في المعركة المقبلة، لا سيما إذا ظلت بكركي صامدة في موقعها الجديد، بعدما كانت جزءا من تحالف 14 آذار.

