أين سامي الجميل لولاها؟

لا يزال فريق سياسي لبناني يصرّ على العودة بالزمن إلى أيام الحرب الأهلية الآثمة عبر تغنيه بطروحات الفدرلة والتقسيم و«الكانتون المصطنع» من جسر كفرشيما إلى البربارة، والحنين إلى العمالة مع قوات الاحتلال «الإسرائيلي» وكأن العمالة مع العدو لم تصبح فقط وجهة نظر بل نهجاً وممارسة.
وفي هذا المجال، برز كلام متشدد لعضو حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميل الذي لوَّح باعلان العصيان إذا تضمن كتاب التاريخ الجديد الذي يعدّ له فقط إشادة برجال المقاومة ضد الاحتلال «الإسرائيلي» الذين سطَّروا بدمائهم وكرامتهم ملاحم بطولة وعنفوان أدت إلى تحرير الجزء الأكبر من الجنوب والبقاع الغربي عام 2000 وإلى قهر «الجيش الذي لا يقهر» عام 2006 والحاق الهزيمة الكبرى في أول حرب ينتصر فيها رجال المقاومة على الكيان الصهيوني ، مع الإشارة إلى أن الحرب التي انتصر فيها العرب عام 1973 خاضها الجيشان العربيان السوري والمصري.
والأنكى أن كلام الجميّل مرَّ مرور الكرام، ولم يتلق رداً مسؤولاً على كلامه الفئوي الذي يريد أن يعود بذاكرتنا إلى أيام سوداء قاتمة وحرب دامية خلفت حوالى 200 ألف شهيد معظمهم من المدنيين والأبرياء والأطفال والنساء والشيوخ.
يريد الجميل أن يتضمن كتاب التاريخ ما قامت به الميليشات المتعاملة مع العدو «الإسرائيلي» من أعمال قتل وتدمير وذبح على الهوية وغيرها حتى يتعلم الناشئة ورجال المستقبل كيف كانت تلك الأيام السوداء «حقبة مضيئة في تاريخ لبنان، ولولاها لما كان لبنان».
هل يريد أن يتعلم رجال المستقبل «أن لبنان لا يقوم إلا على أساس فيدرالي تقسيمي، لكل طائفة ومذهب دولة، وأن العمالة مع العدو «الإسرائيلي» واجب وطني لا بد منه لبقاء لبنان قوياً ومتماسكاً، وأن لبنان لا يقوم إلا على المجازر الدموية وسفك دماء الأبرياء من أجل تحقيق المشروع الأميركي «الإسرائيلي» القديم ـ الجديد المرتكز على اقامة دويلات طائفية ومذهبية وعرقية في كل بلد عربي للتناحر في ما بينها ولتبقَ «إسرائيل» دولة قوية ومهيمنة على المنطقة العربية؟".
والسؤال البارز: هل يريد الجميل من خلال كلامه تأكيد خطة وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر عام 1976 أي في بداية الحرب الأهلية والتي تضمنت تهجير المسيحيين في لبنان إلى الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من دول العالم، وهناك حديث أن ولاية كاليفورنيا الأميركية هي الأنسب من أجل استيعاب مسيحيي لبنان نظراً لمناخها وطبيعتها الشبيهين جدا بمناخ لبنان وطبيعته. وخطة كيسنجر عام 76 لم تكن حبراً على ورق بل جاءت السفن الأميركية إلى عرض البحر قبالة لبنان بانتظار نقل مسيحيي لبنان إلى وطن بديل لهم.
وهنا لا بد من تذكير الجميل أنه لولا دخول القوات العربية السورية عام 76 إلى لبنان بناء على طلب رسمي لبناني وعربي ودعم دولي تحت اسم «قوات الردع العربية» لما أجهضت خطة كيسنجر المشؤومة وانقسم لبنان إلى «دويلات طائفية»، مع الإشارة إلى أن أبرز المنادين والمطالبين بدخول القوات العربية السورية آنذاك هم الرئيسين الراحلين سليمان فرنجية وكميل شمعون ومعهما بيار الجميل، أي أركان ما يسمى حينها بـ «الجبهة اللبنانية».
ونلفت الجميل أيضاً إلى أن المقاومة هي مقاومة ضد الاحتلال «الإسرائيلي»، وأن رجال المقاومة الذين قاتلوا واستشهد منهم مَنْ استُشهِد هم من كل الأحزاب الوطنية والفصائل الفلسطينية، وأن كل حبة تراب في الجنوب والبقاع الغربي تحكي قصة شهيد روى بدمائه الأرض الطاهرة وحررها من رجس الاحتلال، والشهداء هم عز القوم وأطهرهم وأشدهم بأساً وقوة، وآلاف الشهداء من رجال المقاومة هم أكبر دليل على رفض الذل والهوان وأن استعادة الأرض والكرامة لا تتحققان إلا بالدماء الزكية التي روت كل تلة وجبل وسهل وانبتت شقائق النعمان التي ملأت الأرض المحررة.
وأخيراً، نقول للنائب «المندفع»: مهلاً لأن المرحلة الاستثنائية التي يعيشها لبنان في ظل المتغيرات في المنطقة، لا تتحمل مثل هذه المواقف، لأن «المواقف النارية» قد تشعل حرباً لا يعرف أحد متى تنتهي إلا إذا كانت «الغاية تبرر الوسيلة»، وأن كل ذلك يأتي في إطار خطة مدروسة تحت جناح «المشروع الأميركي» ـ «الإسرائيلي» ـ العربي لاشعال حرب مذهبية في لبنان ليتسنى عندها طلب الحماية الدولية وعبر ارسال قوات عسكرية تحت عنوان: «المجتمع الدولي يتدخل لانقاذ الأقليات». لكن نطمئن النائب «المغامر» أن كل المعزوفة لن تمر لأن الأغلبية الشعبية والسياسية تعي دقة المرحلة والخطط الهدامة وهي لها بالمرصاد ولن تقبل أن ينشطر لبنان من جديد.

  

السابق
الثورات والسنّة في لبنان
التالي
حمص..على الطريق!