عندما كان لبنان يمارس النظام الديموقراطي ممارسة صحيحة وسليمة، كانت الأكثريات النيابية هي التي تشكل الحكومات وهي التي تحجب الثقة عنها عند محاسبتها على أخطائها، أو كان رئيس الحكومة يستقيل عندما يختلف مع رئيس الجمهورية على مواضيع مهمة، أو يرى ان بقاء حكومته لم يعد يتلاءم والظروف السائدة، أو كان رئيس الجمهورية بموجب دستور ما قبل الطائف يقيلها إذا وجد أن بقاءها لم يعد مجدياً وملائماً.
ولكن منذ أن خضع لبنان للوصاية السورية اصبح النظام الديموقراطي وجهة نظر وكذلك الدستور أحياناً، إذ ان هذه الوصاية كانت هي التي تقرر متى يجوز للحكومة أن تستقيل ومتى لا يجوز ذلك بمعزل عن رأي رئيس الحكومة نفسه والوزراء وحتى عن رأي أكثرية النواب… وعندما كان يستحيل على الحكومة البقاء نتيجة خلاف لا يعالج بين رئيسها ورئيس الجمهورية كانت الوصاية السورية تتدخل لحسم هذا الخلاف لمصلحة هذا او ذاك، وتمنع على رئيس الحكومة الاستقالة حتى عندما تتعطل أعمال مجلس الوزراء ويتعرقل اقرار المشاريع الحيوية والمهمة، إما لأن رئيس الجمهورية يتدخل لمنع إدراجها على جدول أعماله، أو انها اذا أُدرجت يُرفض طرحها على بساط البحث، واذا طرحت امتنع عن احالتها على التصويت لئلا تكون نتيجته سلبية. وهو وضع استمر سنوات مع أكثر من عهد خلال الوصاية السورية. وبحجة الحرص على الامن والاستقرار في لبنان لم يجز "اتفاق الدوحة" استقالة الحكومة وأي وزير فيها.
وعندما قضت مصلحة سوريا بأن تستقيل الحكومة التي كانت برئاسة سعد الحريري أو عزت الى الوزراء والمحسوبين عليها بالاستقالة، فاستقالوا لكي تأتي سوريا وحلفاؤها في لبنان بحكومة تكون حكومتها وهو ما حصل. وكان السبب الرئيسي للتخلص من حكومة الحريري هو المحكمة الدولية التي يجب عرقلة سيرها مهما كلف الامر. وكان لا بد لقوى 14 آذار التي فقدت الاكثرية تحت الضغط السوري والترهيب بسلاح "حزب الله" من ان ترضخ للواقع المستجد وإلا واجهت البلاد الفراغ والفوضى، ولا شيء يمنع ذلك سوى حكومة من قوى 8 آذار التي انتقلت اليها الاكثرية بسحر ساحر، لأن هذه الحكومة هي التي تستطيع ضمان استمرار الامن والاستقرار وجعل القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه يمر بهدوء رغم ما كان قد سبق صدوره من تهديد ووعيد كانا برسم التنفيذ لو أن حكومة تألفت من قوى 14 آذار او حتى من تكنوقراط لأن سوريا تريد حكومة تطمئن الى وجودها وتثق بها خلال المرحلة الدقيقة والخطرة التي تواجهها في الداخل، وأن هذه الحكومة هي وحدها التي تضمن استمرار الامن والاستقرار في لبنان بدليل ان اي ردود فعل مهمة لم تصدر عند صدور القرار الاتهامي، وتغاضت عن "حيلة" تمويل المحكمة. ولو ان حكومة اخرى كانت مكانها ولا ترضى عنها سوريا لكان ربما انهار الامن والاستقرار.
ولأن حكومة ميقاتي هي الحكومة التي تستطيع المحافظة على الامن والاستقرار في البلاد، وهذا من الاولويات محليا وعربيا واقليميا ودوليا، فإن مساعد وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الادنى جيفري فيلتمان صارح أركان قوى 14 آذار عندما التقاهم بالقول ان حكومة ميقاتي يجب ان تبقى في الظروف الراهنة لأنها قادرة على حفظ الامن والاستقرار، وهما اولوية في الوقت الحاضر. وكان هذا الكلام قد ازعج البعض في قوى 14 آذار الذين كانوا قد بدأوا حملة قاسية على الحكومة بهدف اسقاطها.
وعاد فيلتمان وكرر هذا الموقف عندما التقى بعضهم لمناسبة قيامه بواجب التعزية بنسيب لحود.
وها ان الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله يؤكد في كلمته في ذكرى المولد النبوي الحرص على استمرار الحكومة، وقال للذين بدأوا "تظبيط أزرار جاكيتاتهم وربطات العنق": "لا حكومة جديدة لأن الحكومة الحالية مستمرة وهي أساس الاستقرار في البلد وأن الوقت ليس وقت اسقاط حكومات أو توتير أمني أو سياسي في لبنان".
وكان الرئيس ميقاتي قد نسب اليه قوله: "اذا سقطت الحكومة سقط البلد"…
هذا الوضع الشاذ الذي يعيشه لبنان منذ سنوات بعيدا من احكام الدستور والاصول الديموقراطية، لا سبيل للخروج منه الا بخروج سوريا من أزمتها الحادة سواء في هذا الاتجاه او ذاك. وما دامت هذه الازمة مستمرة فالوضع الشاذ مستمر في لبنان ويضع الزعماء فيه بين خيارين: إما القبول بحكومة وصفت بأنها حكومة عمل وتكاد تصبح بلا عمل بسبب المناكفات والمشاحنات بين اعضائها، وإما مواجهة الفراغ والفوضى إذا ما سقطت او اسقطت، لأن سوريا وحلفاءها في لبنان لن يدعوا احدا يشكل حكومة لا من قوى 14 آذار حتى وإن عادت إليها الأكثرية، ولا من تكنوقراط لا تعرف شيئاً عن هويتهم. فلا تغيير إذاً في لبنان ما لم يحصل تغيير في سوريا من شأنه أن يغيّر موازين القوى ويعيد إليه وإلى دول المنطقة الديموقراطية الصحيحة والحقيقية.

