ضبط الحدود

لا يزال جنود الجيش اللبناني وضباطه يعملون على ضبط الحدود، على إيقاع تردّد الكلام الإعلامي عن وجود قوات لـ«الجيش السوري الحر» في شمال لبنان، وفي منطقة وادي خالد تحديداً، علماً بأن الرئيس نجيب ميقاتي لا علاقة له بعمليات الدهم، فهو لم يتخذ القرار ولم يطلب ولم يوافق أو يرفض، إذ برأي مصادره «إن التحرك جاء بناءً على قرار سياسي اتخذه المجلس الأعلى للدفاع»، وميدانياً فإن القرار للجيش.
المجلس الأعلى للدفاع يترأسه فخامة رئيس البلاد، وينوب عنه رئيس الحكومة، ويشارك فيه كل من وزراء الدفاع والخارجية والمال والداخلية والاقتصاد، وبالتالي فإن الكلام على أن رئيس الحكومة لم يتخذ القرار بضبط الحدود الشمالية مجرد مناورة أخرى لتفادي ردود الفعل الغاضبة في حال أثارت الخطوة استياء أبناء الطائفة الأكثر حضوراً في تلك النواحي المهملة من البلاد.
الأيام الباردة التي أمضاها جنود الجيش اللبناني في التدلي من المروحيات والقفز فوق الصخور، والسير في الأوحال ونصب الحواجز على الطرقات، وسط الرياح الشمالية الباردة، وتفتيش السيارات القديمة والشديدة الحاجة إلى الصيانة، يبدو أنها لم تحصد الكثير من النجاح.
مديرية التوجيه في الجيش اللبناني أعلنت أن الجيش يكافح أعمال التسلل والتهريب ومنع المظاهر المسلّحة والتعديات، فتمكّن من ضبط كميات من الأسلحة والممنوعات والبضائع المهرّبة، وتوقيف عدد كبير من المهربين والخارجين عن القانون والمطلوبين إلى العدالة بجرائم مختلفة.
إلا أن هذه النتائج الغامضة التي لا تحمل مثلاً عدد البنادق المصادرة، أو عدد الموقوفين وجنسياتهم، وأنواع المخالفات، كان يمكن تحقيقها، لا بل تحقيق ما هو أفضل منها، لو نُصبت الحواجز في منطقة فردان في بيروت، أو في ساحة ساسين، ولكنا جمعنا أسلحة أكثر وممنوعات متنوّعة أشد جذباً لمحبّي الأخبار الأمنية والقضائية.
إلا أن على الجنود أن يسيروا دائماً إلى حيث تشير القيادة السياسية للبلاد، وإن كانت القيادة السياسية لا ترى حالياً موجباً جدياً لضبط الحدود. فالقاعدة الذهبية في لبنان أن كل شيء مسموح بالسر، ويتحول إلى مكروه ما إن يتسرب الأمر إلى الإعلام، ثم ممنوع إذا ما اعترضت عليه جهة ما، ويجب ضربه إذا ما توافقت الطوائف على أنه يضرّ بمصالحها المباشرة. وبالتالي فإن وجود الجيش الحر في الشمال (إذا ما صدق الأمر) لا يزال في مرحلة المكروه، وتسرّب الجرحى من جراء العمليات الحربية في سوريا يصبّ في الإطار نفسه.
وما دام الأمر مكروهاً من جهة على الأقل في البلاد، ورئيس الحكومة يفضّل ألا يخرج مفتاح مجلس الوزراء من جيبه حالياً، وتحديداً حتى لا يضطر إلى اتخاذ إجراءات مشابهة في الملفات الرئيسية، كالموقف من الملف السوري في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية وإيواء اللاجئين وتطبيب الجرحى السوريين، إضافة إلى النقاش الأصعب في بروتوكول المحكمة الدولية وتجديده، فإنه لا بأس في أن نرمي الأمر على بضعة جنود وضباط من الجيش، ليقوموا بجولة سياحية ورياضات صباحية في المناطق الوعرة في وادي خالد.
المدهش أن قيادة الجيش تستغرب في كل مرة زجّ تحركات الجيش في إطار التجاذبات الداخلية، كأنها المرة الأولى التي يحصل فيها ذلك، ومنذ أن كان البلد وكانت القيادة في الجيش اللبناني، وهي تصدر بيانات تستغرب فيها زجّها في السجال السياسي الداخلي وفي التجاذبات الطائفية، وتوضح، في كل مرة، أنها خارج التجاذبات، وتعود إلى الاستغراب بعد كل حين. وحتى عندما كان الجيش جزءاً من الحرب الأهلية، ويقاتل ضد مواطنيه في كلتا جهتي الصراع الأهلي، كانت قيادتا الجيش حينها تستغربان زجّهما في التجاذبات السياسية.
أما حين نصل إلى الواجب الأمني، فربما قيادة الجيش، استناداً إلى ما لديها من تقارير أمنية أعدتها مديرية المخابرات، تعلم أكثر من غيرها بأساس المشكل الأمني، واذا لم تتوافر هذه المعطيات لديها يمكنها استعارتها من أجهزة أخرى، والعمل بمقتضياتها.
بدل إرسال قوات الجيش إلى أقاصي البلاد والقيام ببهلوانيات الإنزال من مروحيات متهالكة، لإعطاء انطباع كاذب عن أن السلطة التنفيذية في لبنان تعمل على ضبط الحدود ومنع التهريب «في الاتجاهين»، وبالتالي فإنها تتضامن مع سوريا بعد اضطرار الأخيرة إلى إرسال أكثر من رسالة إلى رئيس الحكومة اللبنانية تشي بـ«عدم رضى»، يمكن القول إن من الأجدى توقيف بعض الشخصيات، قد لا تكون أكثر من خمسة، وبعضها لديه مرافقة رسمية، أو على العكس تماماً، احتواء أزمة النزوح من سوريا رسمياً وعلناً، وفتح الحدود بدل ترك الأبواب مواربة.  

السابق
خضر حبيب: خطاب نصرالله دفتر شروط على ميقاتي الالتزام به
التالي
باسيل…